الثلاثاء، 21 أبريل 2020

محل الاثبات وعبء الاثبات

مقدمة
          أهمية الإثبات فى العلاقات القانونية أهمية فائقة إذ أن الحق يكون عديم القيمة إذا عجز صاحبه عن إثبات وجوده فالحق إذا لم يقدم عليه دليل فإنه يصبح عند المنازعة فيه هو والعدم سواء وأن الدليل هو الذى يحيى الحق ويجعله مفيدا.
          ويعرف الإثبات بأنه إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التى يحددها القانون على وجود واقعة قانونية متنازع فيها بين الخصوم
أهمية البحث
          وللإثبات أهمية كبيرة من الناحية العملية، خاصة إذا أنكر أحد الخصوم حق الخصم الآخر إذ يلجأ هذا الأخير إلى إقامة الدليل على وجود حقه الذى ينازعه فيه أمام القضاء وإلا لن يكون القاضي ملزما بالتسليم بصحة هذا الادعاء.
          وأن الحق يتجرد من قيمته ما لم يقم الدليل على الحادث المبدئ له، قانونياً كان هذا الحادث أو مادياً. والواقع أن الدليل هو قوام حياة الحق ومقصد النفع منه.
خطة البحث:
المبحث الأول: محل الإثبات
المبحث الثاني: عبء الإثبات
المبحث الثالث: أدلة الإثبات
الخاتمة
قائمة المراجع
الفهرس



المبحث الأول
محل الإثبات
محل الإثبات هو الواقعة القانونية ذاتها التى يرتب عليها القانون حق ما لشخص معين بحيث إذا أراد هذا الشخص إثبات حقه فإن عليه إثبات الواقعة التى تعتبر مصدراً لهذا الحق.
الواقعة القانونية إما أن تكون تصرفا قانونيا أو واقعة مادية.
هذا التصرف قد يتم بتلاقي إرادتين كما فى البيع والإيجار ... وقد يكون بإرادة منفردة كما فى الوصية. أما الواقعة المادية فتشمل الواقعة الطبيعية كالوفاة كما تشمل الفعل المادي الصادر عن الشخص كالعمل غير المشروع.
فالتصرفات القانونية يتطلب المشرع بصددها الكتابة لإثباتها ولا يكتفي بالبينة إلا إذا لم يتجاوز قيمة التصرف القانوني حداً معيناً. أما الوقائع المادية فيجوز إثباتها بجميع طرق الإثبات حيث أن طبيعتها تأبي تحديد إثباتها بطريقة معينة.
وتجدر الإشارة إلى أن سواء كانت الواقعة القانونية تصرفاً قانونياً أو واقعة مادية فإن دور الخصوم فى الدعوى هو إقامة الدليل على وجود تلك الواقعة فقط أما تحديد الأثر الذى يرتبه القانون على ذلك فيدخل فى مهمة القاضي. ([1])
وبمعني آخر بالمكلف بالإثبات لا يلزم إلا بإثبات حكم القانون فى هذه الواقعة المنشئة لحقه. فإذا ادعي شخص أنه أصيب بضرر بفعل حيوان فى حراسة الغير، بأنه لا يكلف بإثبات التزام الحارس بتعويض الضرر وإنما عليه فقط إثبات الضرر الذى لحق به نتيجة فعل الحيوان.
حيث أن تطبيق القانون على الواقعة القانونية هو من اختصاص القاضي حيث يفترض علمه بالقانون ولا يكلف الخصوم بذلك.
ومؤدي ذلك أن القاعدة العامة هي أن هناك فارق بين إثبات الواقعة المنشئة للحق وبين إثبات الأثر القانوني المترتب عليها وأن الخصم يلتزم بإثبات الواقعة المنشئة للحق فقط دون أن يلتزم بإثبات الأثر القانوني لها حيث يلتزم بذلك القاضي نفسه.

بيد أن هناك حالات استثنائية يكلف فيها الخصم بإثبات القاعدة القانونية ذاتها مصدر الحق أى إثبات حكم القانون فيها وهي :
1-  إذا كانت القاعدة القانونية الواجبة التطبيق هي قاعدة عرفية محلية فالقاضي يفترض علمه بالقانون إذا كنا بصدد قاعدة تشريعية أو عرفية عامة أما إذا كنا بصدد قاعدة عرفية محلية فإن القاضي لا يفترض علمه بها ويلتزم الخصم بإثبات ليس فقط الواقعة القانونية ولكن كذلك بإثبات حكم القانون أي إثبات القاعدة القانونية نفسها.
2-  إذا كانت القاعدة الواجبة التطبيق مصدرها عادة اتفاقية لم ترقي بعد إلى مرتبة القاعدة القانونية العرفية. حيث أن القاعدة هنا تقوم على أساس اتجاه إرادة المتعاقدين إلى الالتزام بها وبذلك تكون القاعدة الواجبة التطبيق هنا بمثابة شرط فى الاتفاق يتعين على من يتمسك به من المتعاقدين إثباته.
3-  إذا كانت القاعدة الواجبة التطبيق مصدرها قانون أجنبي تقضي به قاعدة من قواعد الإسناد فى المسائل ذات العنصر الأجنبي التى يختص بها القانون الدولي الخاص. ففى هذه الحالة يلتزم الخصم بإثبات هذه الواقعة حيث لا يفترض علم القاضي بالقانون الأجنبي.
أولا : يجب أن تكون الواقعة القانونية محل نزاع :
يشترط أولاً فى الواقعة القانونية محل الإثبات أن تكون محل نزاع، وهذا شرط منطقي وبديهي، ذلك أنه إذا كانت الواقعة ثابتة أو مسلم بها من جانب الخصم فلا محل لعرضها على القضاء ذلك أن الإثبات القضائي يهدف إلى الكشف عن الحقيقة. فالوقائع غير المعلومة أو المجهولة أو غير الثابت هي محل للإثبات القضائي فإذا سلم الخصم بالواقعة فهذا يعني أنها ليست محل نزاع فلا محل لإثباتها وإضاعة وقت المحكمة فى تحقيقها. ([2])
ثانيا : يجب أن تكون الواقعة القانونية محددة :
ويعد شرطاً بديهياً أيضاً أن تكون الواقعة المراد إثباتها محددة، يستوي أن تكون الواقعة القانونية إيجابية أو سلبية ([3]) فإذا ادعي شخص ملكية عين معينة وجب عليه إقامة الدليل على أنه اكتسب ملكية هذه العين مثلاً عن طريق ميراث أو وصية.
أما إذا كانت الوقائع القانونية إيجابية أو سلبية غير محددة فلا يصح إثباتها إلا إذا حددت فلو أن شخصاً ادعي ملكية شئ وأسس دعواه على عقد لم يحدد ماهيته فإن الواقعة التى يريد إثباتها لا تكون محددة تحديداً كافياً فلا يسمح بإثباتها إلا بعد أن تحدد، بأن يؤسس هذا الشخص دعواه على عقد بيع مثلاً. ولا يعفي من إثبات الواقعة القانونية لمجرد صعوبة ذلك أو استحالته وإلا كان معني ذلك إلزام الخصم بإثبات عكس ما يدعي به وهو أمر مخالف للقانون.
إذا ظلت الواقعة غير محددة فإن إثباتها يستحيل بشكل نهائي، فإذا وفي شخص لآخر مبلغاً من المال ثم طالبه برد غير المستحق على أساس أنه غير مدين له بأي دين ولم يحدد الواقعة التى على أساسها ينفي عنصر المديونية فى دين معين، فهو نفي غير محدد غير قابل للإثبات. ([4])
ثالثا : يجب أن تكون الواقعة متعلقة بالدعوى :
يقصد بذلك أن تكون الواقعة المراد إثباتها ذات صلة بالحق المتنازع فيه حتى يؤثر ثبوتها على الفصل فى الدعوى، كأن يطالب البائع بثمن المبيع استناداً إلى عقد البيع. أما إذا كانت الواقعة منقطعة الصلة بموضوع الدعوى فلا فائدة فى إثباتها.
ولا تظهر أهمية تطلب أن تكون الواقعة متعلقة بالحق المطالب به وفى ذات الوقت منتجة فى الإثبات إلا فى حالة الإثبات غير المباشر أي الإثبات الذى لا ينصب على واقعة أخرى قريبة منها. ويكون الإثبات غير المباشر هنا بمثابة تحويل الدليل من الواقعة الأصلية التى يتعذر إثباتها إلى واقعة بديلة يسهل الإثبات فيها والواقعة المراد إثباتها قد تكون متعلقة بالدعوى ولكنها غير منتجة فى الإثبات.
من ذلك أن يقدم المستأجر مخالصات بالأجرة عن المدد السابقة عن المدة التى يطالبه المؤجر بأجرتها بهدف إثبات أنه يدفع الأجرة على نحو منتظم ولم يخل بالتزامه عن هذه المدد السابقة. فهذه الواقعة التى يثبتها المستأجر متصلة بواقعة الوفاء بالأجرة عن المدة المطالب بأجرتها فهي إذن متعلقة بالدعوى، ولكنها فى ذات الوقت غير منتجة فى الإثبات وذلك لأن دفع الأجرة عن مدة سابقة لا يفيد دفعها عن مدة لاحقة.
وقد تكون الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة فى الإثبات فى نفس الوقت كأن يقدم المستأجر مخالصات بالأجرة عن مدد لاحقة للمدة التى يطالب المؤجر بأجرتها هنا تقوم قرينة بسيطة على الوفاء بالأجرة المطالب بها إلا إذا أثبت المؤجر عكس ذلك.
رابعا : أن تكون الواقعة منتجة فى الإثبات :
رأينا فى الواقعة المتعلقة بالدعوى قد تكون هي الواقعة مصدر الحق المدعي به. كما رأينا أن الواقع المتعلقة بالدعوى قد تكون هي الواقعة البديلة التى يكون إثباتها من شأنه أن يجعل إثبات الواقعة الأصلية قريب الاحتمال فى حالة الإثبات غير المباشر.
والواقعة المنتجة فى الإثبات هي الواقعة البديلة التى يؤدي إثباتها إلى إثبات الواقعة الأصلية معني ذلك أن الواقعة البديلة إذا كانت متعلقة بالدعوى ولكن غير منتجة فيها فلا تفيد الإثبات أما إذا كانت الواقعة منتجة فى الإثبات. ([5])
أما إذا كانت الواقعة منتجة فى الإثبات فإنها تكون حتما متعلقة بالدعوى وتساهم فى تكوين عقيدة القاضي بوجود الحق المدعي به. فمن يطالب بملكية عين مستنداً إلى واقعة التقادم الطويل المكسب للملكية، فهو يستند إلى واقعة منتجة فى الإثبات وهي أيضاً بالضرورة متصلة بالدعوى. أما من يدعي بالملكية استناداً إلى مدة حيازة أقل من خمس عشرة سنة فهو يستند إلى واقعة متصلة بالدعوى ولكنها غير منتجة فيها.
ونشير إلى أنه لا يلزم أن تكون الواقعة حاسمة فى الإثبات حتى تعتبر منتجة، بل يكفي أن تكون حلقة فى سلسلة الوقائع التى تؤدي إلى ثبوت الحق المتنازع فيه.
وكون الواقعة منتجة فى الإثبات هي مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض. أما إذا تعلق الأمر بأسباب قانونية أصبح الأمر متعلقا بمسألة من مسائل القانون مما يخضع لرقابة محكمة النقض.
خامسا : أن تكون الواقعة القانونية جائزة الإثبات :
يشترط أخيرا أن تكون الواقعة القانونية جائزة الإثبات، أى أن القانون لا يمنع إثباتها والمنع يكون لتعلق الواقعة بالنظام العام أو الآداب ومن ذلك يمنع إثبات الواقعة المتعلقة بدين قمار أو بعقد شراء مخدرات أو بواجب المحافظة على سر مهني...
وقد يكون عدم جواز إثبات الواقعة راجع إلى استحالة تصورها كأن يريد الخصم إثبات بنوته لشخص أصغر منه سناً. ([6])



المبحث الثاني
عبء الإثبات
يقع عبء الإثبات على الخصوم فى الدعوى والأمر يسهل تصوره إذا كان لدي الخصوم أدلة الإثبات الكافية والمنتجة فى الدعوى. بيد أنه غالباً لا يكون الأمر بهذه السهولة، إذ يصعب أن تتوافر لدي الخصم أدلة الإثبات اللازمة، وقد تكون أدلة الإثبات اللازمة، وقد تكون أدلة الإثبات محل شك أو منازعة ولذا بدا أهمية تحميل عبء الإثبات على أحد الخصمين فى الدعوى.
والقاعدة هي أن الإثبات على المدعي أما المدعي عليه فدوره ينحصر فقط فى إنكار ما يدعي به عليه، إذ لا يكلف بتقديم أي دليل على إنكاره. وذلك إعمالاً للمبادئ المقررة فى الفقه الإسلامي من أن البينة على من ادعي واليمين على من أنكر.
وبالتالي إذا رفع شخص على جاره دعوى يطالبه بسد مطل لا يكلف بإثبات أن جاره فتح المطل دون أن يكون له حق ارتفاق، بل على المدعي عليه وهو الجار أ، يثبت أن له حق ارتفاق يسمح بذلك. ويرجع السبب فى أن عبء الإثبات يتحمله هنا المدعي عليه وليس المدعي، أن الأول يستند إلى أمر يخالف الثابت أصلاً. ([7])
حيث أن الثابت أصلاً يفيد خلو العقار من حقوق الارتفاق حتى يثبت العكس، ذلك أن الظاهر أن حق الملكية يكون خالي من أي حقوق عينية تثقله وعلى من يدعي خلاف الظاهر أن يثبت وجود الحق الذى يدعيه. أي أنه فى الحقوق العينية الأصل هو الظاهر، ولذلك لا يطالب حائز العين بإثبات ملكيتها لأن الظاهر هو أن الحائز مالك، وعلى من يدعي غير ذلك عبء الإثبات.
والثابت فعلا قد يكون حقيقة أو ضمنا فإذا ادعي شخص أنه دائن بحق معين لآخر فالمدعي هنا يدعي خلاف الأصل وهو براءة الذمة وبالتالي فعليه إثبات ذلك، أي عليه أن يثبت بالدين. فإذا كان لديه سند مكتوب بالدين فلا يجوز للمدين الادعاء بالوفاء رغم وجود الدليل الكتابي الثابت حقيقة إلا إذا أثبت صحة ادعائه.
أما إذا دفع المدين بالمقاصة فإن ذلك يعد إقرار ضمني منه بالدين، وبالتالي يكون الدين ثابتا ضمنا وعلى المدين إثبات انقضاء الدين بالمقاصة حيث أنه يدعي خلاف الثابت ضمناً.
وقد عرض أستاذنا الدكتور السنهوري، بإيجاز جامع لكل ما سبق قوله، للمبدأ العام فيمن يقع عليه عبء الإثبات "كل من يتمسك بالثابت حكماً، أصلاً أو ظاهراً أو فرضاً، أو الثابت فعلاً حقيقة أو ضمناً، لا يقع عليه عبء الإثبات. وإنما يقع عبء الإثبات على من يدعي خلاف الثابت حكماً أو فعلاً. لأنه يدعي خلاف الأصل أو الظاهر أو المفروض أو الثابت، فوجب أن يتحمل عبء إثبات ما يدعيه. ([8])
وبالتالي فإن عبء الإثبات يقع على من يدعي خلاف الوضع الثابت أصلا أو عرضا ولهذا ينتقل بين طرفي الخصومة وفقا لطبيعة ما يدعيه كل منهما ولا فارق فى هذا بين من رفع الدعوى ومن رفعت عليه.


المبحث الثالث
أدلة الإثبات
يقصد بأدلة الإثبات طرق الإثبات التى قررها القانون وهي: الكتابة وشهادة الشهود والقرائن وحجية الأمر المقضي والإقرار واليمين والمعاينة والخبرة. ([9])
الكتابة
تحتل الكتابة المرتبة الأولي بين أدلة الإثبات. والأصل أن اشتراط الكتابة فى العقود الرضائية يكون لإثباتها.
كما أن المشرع قد يتطلب الكتابة لإثبات التصرفات القانونية وذلك إذا زادت قيمة التصرف على نحو معين قدره المشرع بخمسمائة جنيه أو إذا كان التصرف غير محدد القيمة. كما أن القانون أجاز الاتفاق على الكتابة حتى لو لم تزد قيمة التصرف عن النصاب القانوني، وفى هذه الحالة أوجب القانون الكتابة لإثبات ما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي.
معني ذلك أن الإثبات بالكتابة يكون فى إثبات التصرفات القانونية التى تزيد عن النصاب القانوني المحدد كما يكون فى إثبات ما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي.
أنواع المحررات :
المحررات الرسمية([10])
أن يقوم بكتابة المحرر موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة: يجب أن يصدر المحرر الرسمي من الموظف العام أو شخص مكلف بخدمة عامة.
يقصد بالموظف العام : الشخص الذى تعينه الدولة للقيام بعمل من أعمالها فى الإدارة المركزية كالوزارات أو فى الإدارة المحلية كالمحافظات والمصالح العامة وسواء أخذ الموظف العام أجرا على هذا العمل كالموثق أو لم يأخذ أجرا كالعمدة وشيخ البلد.
ويختلف مفهوم الموظف العام بحسب نوع المحررات الرسمية فالموظف المختص بتحرير الأحكام هو القاضي والموظف المختص بإعلان أوراق المرافعات وتنفيذ الأحكام والأوراق الرسمية هو المحضر والموظف المختص بتحرير التصرفات هو الموثق...
أما المكلف بالخدمة العامة : فهو الشخص الذى تعهد إليه الدولة بعمل معين دون أن يكون من الموظفين العامين ومن ذلك المأذون (حيث يختص بتحرير عقود الزواج وإشهادات الطلاق) والخبير (حيث يختص بتحرير محضر بأعماله ومهامه عن المهمة التى انتدب إليها).
ويستوي أن يحرر المحرر الرسمي بخط يد الموظف العام أو المكلف بخدمة عامة أو يحرر باسمه ويوقعه بإمضائه. ([11])
يجب أن يراعي الموثق ( الموظف العام أو المكلف بالخدمة العامة ) فى تحرير المحرر الأوضاع التى قررها القانون.
فإذا اتضح عدم توافر الأهلية أو الرضاء لدي المتعاقدين أو كانت الورقة الرسمية المطلوب توثيقها ظاهرة البطلان فإن للموثق رفض التوثيق وإعادة المحرر إلى ذوى الشأن بكتاب موصى عليه مع إبداء أسباب الرفض.
ولذوي الشأن التظلم من رفض توثيق المحرر إلى قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة التى يقع مكتب التوثيق فى دائرتها خلال عشرة أيام من علمه بالرفض فإذا صدر القرار مطابقا لموقف الموثق فإنه يجوز الطعن فى قرار قاضي الأمور الوقتية أمام غرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية ويلاحظ أن قرار القاضي بإجراء التوثيق أو رفضه وكذلك قرار غرفة المشورة لا يجوز حجية الأمر المقضي فى موضوع المحرر.
فإذا تأكد الموثق من أهلية المتعاقدين ورضائهم فعليه ثانيا توثيق المحرر الرسمي ويجب أن يكون المحرر مكتوب بخط واضح دون إضافة أو تحشير أو شطب كما يجب أن يتضمن المحرر البيانات العامة التى يجب ذكرها فى كل ورقة رسمية أيا كان موضوعها ومن ذلك ذكر تاريخ المحرر باليوم والشهر والسنة والساعة التى تم فيها التوثيق وذلك بالأحرف.
وكذلك اسم الموثق ولقبه ووظيفته وأسماء شهود العقد وأسماء أصحاب الشأن وأسماء آبائهم وأجدادهم لآبائهم وصناعاتهم ومحال ميلادهم وإقامتهم وأسماء وكلائهم ومن تقضي الحال بوجودهم للمعاونة وذلك إذا كان أحد ذوى الشأن ضريرا أو أبكم أو أصم ...
ويجب أن يكون المحرر مكتوبا باللغة العربية فإذا جهل أحد المتعاقدين اللغة العربية كان له حق الاستعانة بمترجم بعد رضاء الطرف الآخر وفى هذه الحالة يلزم أن يوقع المترجم على المحرر مع المتعاقدين والشهود والموثق ويجب ذكر اسمه من بين من تقضي الحال بوجودهم للمعاونة.
ويلتزم الموثق بعد إتباع هذه الإجراءات أن يتلو على ذوى الشأن الصيغة الكاملة للورقة أو المحرر فإذا كان المحرر مكونا من عدة صفحات وجب عليه أن يرقم صفحاته ويوضح لهم الأثر القانوني المترتب عليه.
وأخيرا يلزم حفظ أصول المحررات الرسمية التى توثق على حسب أرقامها فى ملفات خاصة بكل سنة.
المحررات العرفية
المحررات العرفية المعدة للإثبات
يعرف المحرر العرفي المعد للإثبات بأنه المحرر الذى يوقع عليه من صدر منه قاصدا بذلك إعداد دليل على واقعة معينة فى حالة المنازعة عليها.
وبمعني آخر فالمحرر العرفي المعد للإثبات هو كتابة صادرة من الشخص وموقعة منه بهدف إثبات واقعة محتملة النزاع.
إذن المحرر العرفي يكون معدا للإثبات إذا توافر شرطين وهما الكتابة والتوقيع.
أولا : الكتابة: يجب أن توجد كتابة ينصب مضمونها على الواقعة المراد إثباتها فإذا كانت الواقعة بيعا تكون الكتابة متضمنة اتفاق الطرفان على البيع والثمن والمبيع وإذا كانت الواقعة عقد مقاولة تعين أن تكون الكتابة متضمنة بيان واضح عن المقاولة وأجر المقاول ومدة العقد وإذا كانت الواقعة مخالصة من دين وجب أن تحتوي الكتابة على بيان مقدار الدين وإقرار الدائن باستلامه أو إبراء المدين منه وهكذا ... ([12])
ثانيا : التوقيع : يعد التوقيع هو الشرط الأساسي للمحرر العرفي حيث أنه أساسا نسبة الكتابة إلى الموقع.
والتوقيع يجب أن يتضمن اسم الموقع ولقبه كاملان فلا يكفي التوقيع بعلامة مختصرة أو بالحروف الأولي من الاسم بيد أنه لا يشترط أن يكون التوقيع مطابقا لاسم الموقع الوارد فى شهادة الميلاد بل يكفي أن يكون التوقيع بالاسم الذى اشتهر به.
بيد أنه قد يتفق الطرفان على ذكر التاريخ تيسيرا لإثبات المحرر هذا فضلا عن أن تاريخ الورقة العرفية لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً.
وأخيرا لا يشترط تعدد نسخ الورقة العرفية إذا كانت الواقعة المراد إثباتها عقدا ملزما لجانبين تتعدد فيه الأطراف التى يكون لها مصلحة فيه.
ولكن جري العرف على أنه فى حالة تعدد المتعاقدين تكتب نسخ بقدر عددهم ليكون لدي كل منهم الدليل على حقه فى حالة قيام نزاع حول هذه الواقعة.
المحررات العرفية غير المعدة للإثبات
وهذه المحررات هي:
1-الرسائل والبرقيات:
إن الرسالة إذا كان موقعا عليها من المرسل فإن الرسالة تأخذ نفس حكم المحرر العرفي المعد للإثبات ويرجع السبب فى ذلك إلى أن الرسالة هنا تتوافر فيها شروط المحرر العرفي المعد للإثبات وهي الكتابة والتوقيع.
والرسالة حجة على المرسل فهي صدرت منه إلا أنه يستطيع أن ينكر خطة أو توقيعه عليها على نحو ما عرضنا فى الأوراق العرفية المعدة للإثبات.
وبالمقابل للمرسل إليه أن يحتج بالرسالة كدليل لإثبات ما يدعيه ضد المرسل متى كانت له مصلحة مشروعة فى ذلك.
ومرسل الرسالة لا يستطيع مطالبة المرسل إليه بتقديمها للقضاء إلا فى الأحوال التى يجيز فيها القانون مطالبة الغير بتقديم ورقة تحت يده.
وللغير أن يستند إلى الرسالة لإثبات حقه مادامت قد وصلت إليه بطريقة مشروعة وكانت له مصلحة مشروعة فى الاحتجاج بها. ([13])
2-دفاتر التجار :
وتكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلاً لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه".


الخاتمة
نشير إلى أن إقرار الخصم بالواقعة ليس دائماً سبباً لجعلها غير جائزة الإثبات فهناك الإقرار الحاسم والمؤيد والمطابق لادعاء الخصم وهذا الإقرار هو الذى يخرج الواقعة القانونية من نطاق الإثبات فيعفيها من الإثبات حيث أن الإقرار يجعل الواقعة ثابتة، ولكن هذا بالنسبة للمقر أما بالنسبة للغير فيكون له إقامة الدليل على الواقعة إذا ثبت مثلا أن إقرار الخصم ليس مطابقا لادعاء الخصم الآخر.
إذن فالواقعة المسلم بها من طرفي الخصومة هي التى تخرج من نطاق الإثبات وبالتالي يتعين على القاضي تركها وعدم النظر فيها. فقد عرض نزاع حول ملكية أرض بين الدولة وأحد الأشخاص فأقر هذا الشخص بأن الأرض أصلا من أملاك الدولة ولكنه ملكها بالتقادم ورغم إقرار الشخص بذلك إلا أن المحكمة نظرت فى مستندات ملكية الدولة لهذه الأرض وقضت بعدم كفاية المستندات لإثبات الملكية وقد نقضت محكمة النقض هذا الحكم لمخالفته للقانون حيث بحث فى واقعة ثابتة معترف بها من جانب الخصم.


قائمة المراجع
·       أ.د. السنهوري، الوسيط، ج2، الإثبات وآثار الالتزام، دار النهضة العربية، 1968.
·       أ.د. عبد الودود يحيى، الموجز فى قانون الإثبات، 1984.
·       أ.د. فتحي عبد الرحيم عبد الله، أ.د/ أحمد شوقي عبد الرحمن.




([1]) أ.د. السنهوري، الوسيط، ج2، الإثبات وآثار الالتزام، دار النهضة العربية، 1968، ص9؛ أ.د. عبد الودود يحيى، الموجز فى قانون الإثبات، 1984، ص3، 4.
([2]) أ.د. فتحي عبد الرحيم عبد الله، أ.د/ أحمد شوقي عبد الرحمن، المرجع السابق ص10.
([3]) ورد فى مؤلف أ.د السنهوري، المرجع السابق، ص59 أنه "لا يهم أن تكون الواقعة التى يتمسك بها إيجابية أو سلبية فقد تكون الواقعة سلبية ولكنها محددة تحديداً كافياً فتكون قابلة للإثبات.
([4]) نقض مدني 23/11/1933، مجموعة أحكام النقض، جـ1، رقم 143، ص260.
([5]) أ.د. فتحي عبد الرحيم عبد الله، أ.د/ أحمد شوقي عبد الرحمن، المرجع السابق ص10.
([6]) أ.د. فتحي عبد الرحيم عبد الله، أ.د/ أحمد شوقي عبد الرحمن، المرجع السابق ص12.
([7]) أ.د. عبد الرزاق السنهوري، المرجع السابق، ص75.
([8]) أ.د. عبد الرزاق السنهوري، المرجع السابق، ص77.
([9]) أ.د. السنهوري، الوسيط، ج2، الإثبات وآثار الالتزام، دار النهضة العربية، 1968، ص90.
([10]) تختلف الرسمية على النحو الذى أوضحته المادة 10/1 إثبات عن الشهر، حيث أن هذا الأخير يقصد به تمكين الكافة من الإطلاع على المحرر إذا كان يثبت حقاً من الحقوق العينية العقارية. بحيث يكون بهذا الإجراء حجة على الغير, ويكون شهر الحقوق العينية الأصلية كحق الملكية وما يتفرع عنها من حقوق بالتسجيل فى الشهر العقاري أما الحقوق العينية التبعية كالرهن والاختصاص.. فيكون شهرها عن طريق القيد.
([11])أ.د. السنهوري، المرجع السابق، ص109.
([12])أ.د. عبد الودود يحيى، الموجز فى قانون الإثبات، 1984، ص30.
([13])أ.د. عبد الودود يحيى، الموجز فى قانون الإثبات، المرجع السابق، ص40.

هناك تعليق واحد:

مشاركة مميزة

الالتزام الطبيعي