المطلب الأول مفهوم الإثبات
يعرف
الإثبات بمعناه القانوني إقامة الـدليل أمـام القضـاء بالطرق التى حددها القانون
على وجود واقعـة قانونيـة ترتبـت آثارها.
ويختلف
الإثبات بمعناه القانوني عن الإثبات بمعنـاه العـام، فالإثبات بمعناه العام لا
يلزم أن يكون أمام القضاء، ولا يتقيد بطرق محددة عكس ما هو مقرر في الإثبات بمعناه
القانوني.
كما
أن الإثبات القانوني مقيد بأن يكون في مجلس القضـاء ومتبعاً فى ذلك الطرق المحددة
قانوناً للإثبات، وفي ذلك قد تختلف الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية، بل قد
تنعزل الحقيقة القضائية عن الواقع، ومع ذلك يتم الحفاظ عليها استقراراً للمعاملات
وحفاظاً على المراكز القانونية.
كما
يتبين من التعريف السابق للإثبات القانوني أن الإثبـات ينصب مباشرة على الواقعة
القانونية التى تنشىء الحق أو ترتـب الأثر القانوني، فدائماً الواقعة القانونية
سواء أكانت واقعة مادية أو تصرف قانوني هى محل الإثبات، مثل العمل غير المشروع
والذي يعد واقعة مادية ترتب أثر قانوني وهو الالتزام بالتعويض.
المطلب الثاني
المذاهب المختلفة فى
الإثبات
يؤكد
المشرع في هذا قانون الإثبات على حيادية دور القاضي في الدعوى القضائية، وتمتع
الخصوم بدور إيجابي من خلال حـق الخصم في إثبات دعواه، وحق المدعى عليه في الدفاع
وتفنيد أدلـة الإثبات المقدمة من المدعى.
ومع
ذلك يظل التعاون وثيقاً بين القانون والقاضي والخصوم، فيقرر القانون قواعد وطرق
الإثبات وحجيتها، ويطبق القاضي هذه القواعد مع اعتراف القانون للقاضي بسلطة
تقديرية وهو ما يعطى للقاضي دوراً إيجابياً فى الدعوى، وكذلك دور الخصوم الهام حيث
يتم تمكينهم من إقامة أدلة الإثبات على صحة دعواهم.
وتوجد
عدة مذاهب في شأن أنظمة الإثبات، نجملها فيما يلي:
أولاً: مذهب الإثبات الحر:
وفقاً
لمذهب الإثبات الحر لا يضع المشرع طرقاً محددة للإثبات يجب على القاضي التقيد بها،
بل يتمتع الخصوم بالحريـة الكاملة في تقديم الأدلة التى يمكن أن يقتنع بها
القاضـي، ويتمتـع القاضي بالحرية الكاملة في تكوين عقيدته من أي دليل يقدم إليه.
ويميل
هذا المذهب لاعتبارات العدالة حتى ولو تم في سـبيل ذلك التضحية باستقرار
التعاملات، لذلك يقرب هذا المذهب كثيـراً بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية.
ثانياً: مذهب الإثبات
المقيد:
فى
هذا المذهب يضع القانون طرقاً محددة تحديداً دقيقاً لإثبات المصادر المختلفة
للروابط القانونية، كما بين القانون حجية وقيمة كل طريق من طرق الإثبات، ويتقيد
كلاً من القاضي والخصوم بذلك.
ويتجه
هذا المذهب لاستقرار التعاملات حتى ولو تم التضحية بالعدالة، لذلك يباعد هذا
المذهب بين الحقيقة القضـائية والحقيقـة الواقعية، فالحقيقة الواقعية قد تكون لا
خلاف عليها ومـع ذلـك لا تصبح حقيقة قضائية إلا إذا تم إثباتها بالطرق القانونيـة
المحـددة لذلك.
ثالثاً: مذهب الإثبات
المختلط:
يجمع
هذا المذهب بين الإثبات الحر المطلق والإثبات المقيد، فيكون أكثر حرية وإطلاقاً في
المسائل الجنائية حيث يقـوم علـى اقتناع القاضي من خلال أي دليل من الأدلة المقدمة
فـي الـدعوى الجنائية، ثم يتقيد الإثبات بعض الشيء في المسائل التجاريـة، ثـم تأتي
القيود بشكل أكبر في مجال المسائل المدنية.
ولعل
المذهب المختلط هو أفضل المذاهب في نطاق الإثبات حيث يجمع بين استقرار المعاملات
واقتراب الحقيقة القضائية مـن الحقيقة الواقعية.
ويقوم
هذا المذهب على الموازنة بـين العدالـة واسـتقرار المعاملات.
وقد
أخذ القانون المصري بالمذهب المخـتلط فـي الإثبـات ومتبعاً في ذلك أثر الشرائع
اللاتينية مثل القانون الفرنسي والقانون الإيطالي والقانون البلجيكي.
المطلب الثالث
المبادئ العامة فى الإثبات
نعرض
من خلال هذا المطلب لمجموعة من المبادئ العامة في قانون الإثبات، ونذكر منها مبدأ
حياد القاضي، ومبدأ الحق فـي الإثبات ودور الخصوم الإيجابي في الدعوى، ومبدأ عـدم
جـواز اصطناع الخصم دليلاً لصالحه، ومبدأ عدم جواز إجبـار الخصـم على تقديم دليل
ضد نفسه.
الفرع الأول
مبدأ حياد القاضي
يجب
على القاضي أن يلتزم الحياد بين الخصوم في الدعوى القضائية، ومن مظاهر هذا الحياد
أن يقتصر دور القاضـي علـى النظر والبحث في الأدلة التى يقدمها الخصوم وتقدير
الأدلة المقدمة في ضوء القواعد القانونية المقررة لذلك.
وبناء
على ذلك، لا يجوز للقاضي الاشتراك فى جمع الأدلة أو الاستناد إلى دليل تحراه بنفسه
أو القضاء وفقاً لعلمه الشخصي.
فإذا
رفعت دعوى قضائية أمام القاضي وكان القاضي شاهداﹰ على حدوث الواقعة القانونية محل
الدعوى، فلا يجوز للقاضـي أن يقضي بعلمه الشخصي، لأنه بذلك يكون شاهداً وليس
قاضياً ويفتقد لحياده.
كما
أن علمه سيكون بمثابة دليل مقدم فى الدعوى ومن حق الخصوم مناقشته مما يجعل من
القاضي خصماً وحكماً فى ذات الوقت.
كما
أن أي دليل يقدمه الخصم في الدعوى يجب أن يعـرض على الخصوم جميعاً لمناقشته
وتفنيده وتوجيه دفاعهم بشأنه، والدليل الذي لا يعرض على الخصوم لمناقشته لا يجوز
الأخذ به.
كما
لا يجوز الأخذ بدليل تم مناقشته في قضية أخري ما لـم يناقش في القضية القائمة.
ويتعلق
مبدأ حياد القاضي بالنظام العام، حتى ولو لـم يـرد بشأنه نص قانوني، وهذا ما
يستقيم مع وظيفـة القضـاء وتحقيـق العدالة بين المتقاضين.
ومع
ذلك، وكما رأينا من قبل، أن القانون المصـري يأخـذ بالمذهب المختلط في الإثبات،
ووفقاً لهذا المذهب لا يتوسع فى نطاق سلطة القاضي في توجيه الدعوى إلا في حدود
معينة، وهو ما يسمى بالدور الإيجابي للقاضي في الدعوى.
ومن
مظاهر الدور الإيجابي للقاضي في الدعوى أنه يحـق للمحكمة أن تحكم بإحالة الدعوى للمحكمة
المختصـة مـن تلقـاء نفسها، ولها أن تأمر بإدخال أي شخص في الدعوى تري في ذلـك
تحقيقاً للعدالة وإظهاراً للحقيقة، كما لها الحكم بندب خبير، والانتقال للمعاينة.
كما
منح المشرع للقاضي سلطة تقديرية فـي فهـم وقـائع الدعوى، وتقدير القرائن القضائية،
وتقدير أقوال الشهود، وتمتعه في ذلك بالسلطة الواسعة دون رقابة عليه من محكمـة
الـنقض، مـع مراعاة القواعد الموضوعية والإجرائية في قانون الإثبات.
الفرع الثاني
مبدأ الحق فى الإثبات
وفقاً
للقاعدة الشرعية، والقانونية والتى تقرر بأن البينة من ادعى، وهو ما يوجب على
المدعي في الدعوى تقـديم الـدليل على ادعائه وإثباته، بل يجب على القاضي أن يمكن
المدعي مـن إثبات دعواه وإلا اعتبر ذلك إهداراً للحق فى الإثبات، وإخلالاﹰ بحق
الخصم فى الإثبات، وسبباً للطعن فى الحكم بالنقض.
وهذا
ما يمثله الدور الإيجابي للخصوم في الـدعوى، حيـث يجب على الخصم أن يثبت ما يدعيه
أمام القاضي بـالطرق التـى يحددها القانون، وهذا ليس واجب على الخصم فحسب بل هو
حـق له أيضاً.
ومن الجدير بالذكر هنا أن
حق الخصم في الإثبـات مقيـداﹰ بثلاثة قيود وتتمثل فيما يلي:
التقيد
بالطرق التى قررها القانون في الإثبات، فلا يجوز للخصم إثبات ما يدعيه إلا بالطرق
التى حددها القانون، فلا يجـوز له الإثبات بشهادة الشهود فيما يجب إثباته كتابة.
٢-لا يجوز للخصم إثبات واقعة معينة
لـم تتـوافر بشـأنها الشروط الواجب توافرها في الواقعة القانونية محل الإثبات
والتـى قررتها المادة الثانية من قانون الإثبات وهي أن تكون الواقعة المراد إثباتها
متعلقة بالدعوى ومنتجة فيها وجائزة الإثبات قانوناً.
وحتى
بإتاحة الفرصة للخصوم في الإثبات يظل القاضي متمتعاً بسلطته التقديرية التى منحها
إياه القانون في تقـدير قيمـة الأدلة، فمثلاً إذا أجاز القانون للخصوم الإثبات
بشهادة الشهود فـإن تقدير أقوال الشهود يخضع لسلطة القاضي التقديرية.
الفرع الثالث: عدم جواز
اصطناع الخصم دليلاً لنفسه
بداية
يجب أن يكون الدليل المقدم في الدعوى ضـد خصـم صادراً منه حتى يكون دليلاً عليه.
فعلى
سبيل المثال يجب أن يكون المحرر المكتـوب بخـط الخصم الذي يحتج به عليه أو على
الأقل بإمضائه.
وعلى
ذلك، لا يجوز أن يكون الدليل الذي يتمسك به الخصم صادراً منه هو أو أن يكون من
صنعه شخصياً.
فلا
يجوز أن يكون الدليل الذي يقدمه الخصم لإثبات دعـواه عبارة عن مجرد أقوال أو
ادعاءات، أو ورقـة صـادرة منـه، أو مذكرات دونها بنفسه.
ومثال ذلك، ما نصت عليه المادة (٩٧٢/١) مـن القـانون المدني أنه " ليس لأحد
أن يكسب بالتقادم على خلاف سـنده، فـلا يستطيع أحد أن يغير بنفسه لنفسه سبب حيازته
ولا الأصـل الـذي تقوم عليه هذه الحيازة".
ومع
ذلك فقد أجاز القانون في بعض الحـالات، ولأسـباب يقدرها، أنه يجوز للشخص التمسك
بدليل صدر منه هو، ومثال ذلك ما تقرره المادة (١٧) من قانون الإثبات انه
"دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار، غير أن البيانات المثبتة فيهـا
عمـا ورده التجار تصلح أساسا يجيز للقاضي أن يوجه اليمين المتممة إلى أي من
الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة. وتكون دفـاتر التجـار حجة على هؤلاء
التجار، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فـلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها
دليلاً لنفسه أن يجـزئ مـا ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه".
وكذلك
ما قرره المشرع بالمادة (٢٤) من قانون الإثبات في حالة امتناع خصم عن تقديم محرر
يلزمه القانون بتقديمه في الموعد الذي حددته المحكمة، فيجوز للمحكمة أن تأخذ بصورة
المحرر التى قدمها خصمه، وفي حالة عدم وجود صورة للمحرر يجوز للمحكمة الأخذ بأقوال
الخصم فيما يتعلق بشكل المحرر وموضوعه.
الفرع الرابع: عدم جواز
إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه
إذا
كان لا يجوز للخصم أن يستفيد من دليل صنعه لنفسـه، فإنه كذلك لا يضار من تقديم
دليل ضد نفسه إذا كـان لـدى أحـد الخصوم دليلاً يفيد خصمه فلا يجوز إجباره على
تقديم هذا الدليل.
ويختلف
هذا الأمر عن الفرض الذي يتقدم الشخص من تلقاء نفسه بدليل في الدعوى لإثبات ما
يدعيه فيتخذ الخصم الآخر مـن هذا الدليل سنداً لصالحه لإثبات صحة ادعائه.
ومع
وجود مبدأ عدم جواز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه، نجد أن هناك استثناءات
على هذا المبدأ، وحـددتها المـادة (٢٠) من قانون الإثبات والتي تنص على أنه
"يجوز للخصم فـي الحالات الآتية أن يطلب إلزام خصمه تقديم أي محرر منـتج فـي الدعوى
يكون تحت يده:
)أ)
إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه.
)ب)
إذا كان مشتركا بينه وبين خصمه، ويعتبر المحرر مشـتركاً ﹰعلى الأخص إذا كان المحرر
لمصلحة الخصمين أو كـان مثبتـاً لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة.
)جـ)
إذا استند إليه خصمه في أية مرحلة من مراحل الدعوى".
إذا
كان القانون يجيز ذلك، مثل القانون التجـاري حيـث يجوز للمحكمة أن تأمر التاجر
بإطلاع خصمه على دفـاتره فـي المنازعات المتعلقة بالتركات ومواد الأموال الشائعة
والشركات.
٢-إذا كانت الورقة مشتركة بين الخصوم، أو بين أحـدهما والغير، وتكون الورقة
مشتركة إذا كانت محررة لمصلحة الخصمين أو مثبتة لالتزاماتهما أو حقوقهما
المتبادلة، مثل مسـتندات أعمـال الشركة بين الخصوم.
وقضت
محكمة النقض(١) بأنه "مفاد النص في المـادة٢٠ من قانون الإثبات أن طلب الخصم
هذا ينصرف في هذه الحالة إلى إلزام خصمه بتقديم المحرر المشترك بينهما للمحكمة
كدليل إثبـات لمدعاه، دون أن يعني ذلك إلزامه بالتخلي عـن المحـرر المثبـت لحقوقه
والتزاماته المتبادلة وتسليمه لخصمه في الدعوى ما لم يكن لذلك سندا من القانون
تفصح عنه المحكمة بأسباب سائغة".
٣-إذا استند الخصم إلى الورقة التى في حوزة خصمه فـي أية مرحلة من مراحل
الدعوى.
وعلى
الرغم من توافر إحدى الحالات السابقة فإن للمحكمـة سلطة تقديرية في إجابة أو رفض إلزام
الخصم بتقديم ما لديه مـن أوراق منتجة في الدعوى، فللقاضي رفض الطلب إذا رأى أنه
غير جدي أو غير منتج في الدعوى، أو يتعلق بأسرار عائلية لا يجـب الكشف عنها.
المطلب الرابع: تقسيمات
أدلة الإثبات
يمكن
تقسيم أدلة الإثبات من خلال عدة تقسيمات، نعرض من هذه التقسيمات ما يلي:
أولاً:
أدلة إثبات مباشرة وغير مباشرة:
يقصد بأدلة الإثبات
المباشرة هى
التى تنصب دلالتها مباشرة على الواقعة المراد إثباتها.
ومن
طرق الإثبات المباشرة الكتابة والبينة، فهما من الأدلـة المباشرة التى تنصب
دلالتها بشكل مباشر على الواقعـة القانونيـة المراد إثباتها سواء أكانت تصرف
قانوني أو واقعة مادية.
أما أدلة الإثبات غير
المباشرة: هى
التى لا تنصب دلالتهـا بشكل مباشر على الواقعة المراد إثباتها، ولكن تسـتخلص
بطريـق الاستنباط، مثل القرائن والإقرار واليمين.
فيمكن
من خلال القرائن استنباط واقعة معينـة مـن واقعـة أخرى، لارتباط الواقعتان ببعض
ارتباطاً وثيقاً.
كما
أن الإقرار طريق غير مباشر للإثبات فهـو وإن تعلـق بالواقعة المراد إثباتها تحديداً،
إلا أن صحة الواقعة لا تستخلص منه مباشرة بل عن طريق الاستنباط، فالإقرار لا يثبت
صحة الواقعـة المراد إثباتها مباشرة بل يعفي الخصم من إثباتها وتصـبح ثابتـة بطريق
غير مباشر.
ثانياً:
أدلة إثبات مهيأة وغير مهيأة:
الأدلة المهيأة للإثبات: هى التى أعدها ذوو الشـأن
بشـكل مسبق لإثبات حقوقهم في حالة المنازعة.
والكتابة
أقوى أدلة الإثبات المهيأة ويمكن من خلالها إثبـات التصرفات القانونية كالعقود،
والوقائع المادية كالميلاد والوفاة.
وتسمي
الكتابة فى هذه الحالة سنداً لأنها أعدت لتكون دليلاً يستند إليه عند قيام النزاع.
أما الطرق غير المهيأة
للإثبات
فهى لا تعد مقـدماً لإثبات الوقائع القانونية، بل تعد في وقت لاحق عند قيام النزاع
في الحـق المتنازع عليه.
وكل
طرق الإثبات عدا الكتابة يمكن اعتبارها طرقـاﹰ غير مهيأة في الإثبات، مثل البينة
والتى لا تعد إلا عند قيـام النـزاع، وكذلك القرائن فهى لا تستخلص من وقائع الدعوى
وظروفهـا إلا أمام القاضي أثناء نظر الدعوى، وكذلك الحال بالنسـبة للمعاينـة والخبرة.
ثالثاً: أدلة إثبات ذات
حجية ملزمة، وأدلة ذات حجية غيـر ملزمة:
الأدلة ذات الحجية الملزمة
هى
التى حدد القانون حجيتها ولم يتركها لمحض سلطة القاضي التقديرية.
وتنقسم
الأدلة ذات الحجية الملزمة إلى أدلة ذات حجية قاطعة والتى لا تقبل إثبات العكس،
مثل اليمين والقرائن القانونية القاطعة.
وأدلة ذات حجية بسيطة يجوز إثبات عكسها،
مثـل الكتابـة والتى يمكن الطعن عليها بالإنكار وكذلك الطعن بالتزوير، وكـذلك بالنسبة
للإقرار إذ يمكن إثبات عدم صحته، وكذلك القرائن القانونية البسيطة وهى التى تقبل
إثبات عكسها.
أما أدلة الإثبات ذات
الحجية غير الملزمة
فهى البينة والقرائن القضائية، حيث لا يلزمان القاضي في تكوين عقيدته واقتناعه.
المبحث الثاني: محل الإثبات
المطلب الأول: الواقعة
القانونية محل الإثبات
وينشأ
الحق من خلال واقعة قانونية والتى تمثل محلاﹰ للإثبات وتنقسم الواقعة القانونية
إلي تصرفات قانونية ووقائع مادية.
بالنسبة
للتصرفات القانونية فقد وضـعت محكمـة الـنقض المصرية تعريفاً للتصرفات القانونية
بأنها يعد تصرفاً قانونياً كـل عمل إرادي يأتيه الشخص بقصد إحداث أثر قانوني، سواء
اتخذ هذا العمل صورة التعاقد أو يكون صادرا عن إرادة منفردة، أو يـؤدي إلى إحداث
أي أثر قانوني آخر.
ويقصد
بالتصرف القانوني اتجاه الإرادة إلى إحـداث أثـر قانوني معين، فيرتب القانون عليه
هذا الأثر، وقد ينشأ التصـرف القانوني من خلال العقد أو الإرادة المنفردة.
فقد
ينشأ التصرف القانوني من خلال العقـد فهـو تصـرف قانوني ينشأ بتطابق إرادتين، وقد
يترتب عليه الحقـوق الشخصـية مثل عقد الإيجار، وقد يكسب حقوقاً عينية مثل عقد
البيع المسجل وأثره في اكتساب ملكية العقار.
كما
يمكن أن يقوم التصرف القـانوني مـن خـلال الإرادة المنفردة مثل الوصية، فهي تصرف
قانوني يقوم على إرادة منفردة ويكسب الحقوق العينية.
وبالنسبة
للوقائع المادية فيقصد بالواقعة المادية هـي واقعـة يرتب القانون عليها أثراً.
وتنقسم
الوقائع المادية إلى وقائع طبيعية وهى التي تحدث ولا دخل لإرادة الإنسان فيها مثل
الموت، وقد تكون الواقعة القانونيـة اختيارية تحدث بإرادة الإنسان كالفعل الضار
والفعل النافع ووضع اليد.
ويعد
كلاً من التصرف القانوني والواقعة المادية المصـدران اللذان يقضيان كلاً من الحق
الشخصي والحق العيني، ويمكـن أن يرتبا آثاراً أخري غير كسب الحقوق وقضائها، ولا
ينحصر أثرهما في دائرة المعاملات المالية فحسب بل تمتدا كذلك لدائرة الأحـوال الشخصية،
ولا يقفان عند حدود القانون الخاص، بل لهما أثر بـالغ الأهمية في نطاق القانون
العام.
وبناء
على ذلك فإن محل الإثبات هو التصرف القـانوني، أو الواقعة المادية، ويترتب عليهما
نشـوء الحـق وزوالـه وتعديلـه وأوصافه وانقضائه، ومتى أثبت المدعي أحد الأمرين (التصـرف
القانوني أو الواقعة المادية) كان على القاضي أن يستخلص مما ثبت ما يرتبه القانون
من آثار.
ومن
الجدير بالذكر أن الادعاء بحق معـين أمـام القاضـي يشتمل على عنصرين أساسين وهما: عنصـر
الواقـع، وعنصـر القانون:
1-
عنصر الواقع:
ويتمثل
في مصدر الحق المدعى بـه، أي إثبات التصرف القانوني أو الواقعة القانونيـة التـي نشـأ
الحـق بمقتضاها، وهذا العنصر هو ما يجب على المدعي إثباته.
٢-عنصر القانون:
ويقصد
بذلك تطبيق حكم القانون على ما ثبت لدي القاضي من الواقع، وتطبيق القانون يعد من
صميم عمـل القاضي وحده، ولا يكلف الخصم بإثبات القـانون أمـام القاضـي، ويجب على
القاضي البحث بنفسه على القواعد القانونيـة الواجبـة التطبيق على ما ثبت لديه من
وقائع الدعوى، ويخضع القاضي في تطبيق القانون لرقابة محكمة النقض.
استثناء القانون الأجنبي:
يستثني
من ذلك إذا كان القانون الواجب التطبيق على النزاع قانوناً أجنبياً، وذلك في
العلاقات القانونية ذات العنصر الأجنبـي، وتشير قواعد الإسناد إلى تطبيق أحكام
قانون أجنبي وليس القـانون المصري.
ويعتبر
القانون الأجنبي هنا من الوقائع محلاً للإثبات ويكلف الخصم صاحب المصلحة بإثباته
أمام القاضي، ولا يخضـع القاضي في تطبيق القانون الأجنبي لرقابة محكمة النقض، حيث
يعد القانون الأجنبي في هذه الحالة من المسائل الموضوعية التي يجـب على الخصم
إثباتها، بل ويعتبر بمثابة واقعة مادية يجـوز إثباتهـا بكافة طرق الإثبات.
المطلب الثاني: شروط
الواقعة محل الإثبات
تنص
المادة الثانية من قانون الإثبات على أنـه "يجـب أن تكون الوقائع المراد
إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة فيهـا وجـائزاً قبولها".
وعلى
ذلك يتبين أن الواقعة محل الإثبات يجـب أن تكـون محددة، ومتنازع عليها، ومتعلقة
بالدعوى، ومنتجة فيها، وجـائزة القبول.
أولاً: أن تكون الواقعة
المراد إثباتها محددة:
يجب
أن تكون الواقعة المراد إثباتها محددة، وهذا شرط بديهي، فالواقعة إذا كانت غير
محددة فلا يستطاع إثباتها.
فمن
يدعي بدين أو ملكية شئ وأسس دعواه على عقد غير محدد، لم يحدد ماهيته، هل هو بيع أم
صلح أم قسمة أم غيرها من العقود التى تصح كمصدر للدين أو سبب للملكية، فبذلك تكون
الواقعة غير محددة تحديداً كافياً، ولا تكون بذلك محلاً للإثبات إلا بعد تحديدها
بدقة.
ويستوي
في الواقعة محل الإثبات المحددة أن تكون إيجابية أو سلبية، ومن أمثلة الوقائع
المحددة الإيجابية ادعاء شخص ملكية عين وإقامة الدليل على واقعة معينة والتي تمثل
سبباً للملكية مثـل عقد البيع أو الهبة أو الميراث أو غيرها من أسباب كسب الملكية.
ومن أمثلة الوقائع المحددة
السلبية
إقامة المدعى عليـه فـي دعوى المسئولية عن العمل غير المشروع الدليل على عدم وقـوع
الفعل غير المشروع أو إقامة الدليل على عدم ارتكابه له.
وتعد
مسألة تحديد الواقعـة محـل الإثبـات مـن المسـائل الموضوعية التي يستقل قاضي
الموضوع بتقديرها دون رقابة عليه من محكمة النقض.
ثانياً: أن تكون الواقعة
المراد إثباتها متنازع عليها:
يعد،
كذلك، هذا الشرط بديهي، حيث يجب أن تكون الواقعـة محل الإثبات غير معترف بها بل
يجب أن تكـون هـذه الواقعـة متنازع عليها بين الخصوم.
كما
أن مهمة القاضي هي نظر ما هو متنازع عليه، فلو أقر الخصم بالواقعة المدعاة فلا
تكون محلاﹰ للإثبات، بل لا يكون علـى القاضي أن يناقش ثبوتها من عدمه.
فلا
محل لإثبات واقعة معترف بهـا، فـالاعتراف إقـرار، والإقرار إعفاء من الإثبات،
فتكون على ذلك الواقعة المعترف بهـا قد أعفي مدعيها من إثباتها وتصبح واقعة ثابتة.
ثالثاً: أن تكون الواقعة
متعلقة بالحق المطالب به:
يجب
أن تكون الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالحق المتنـازع فيه ويترتب على ثبوتها أثر
جوهري في الفصل في الدعوى.
وبمفهوم
المخالفة إذا كانت الواقعة لا علاقة لهـا بموضـوع النزاع فلا تتحقق فائدة من
إثباتها.
وتكون
الواقعة متعلقة بالدعوى في حالة الإثبـات المباشـر، فتكون الواقعة المراد إثباتها هي
التي أدت إلى نشوء الحـق، فـإذا ورد الإثبات على مصدر الحق، فتكون الواقعة دائماً
متعلقة بـالحق المطالب به، مثل تمسك البائع بعقد البيع للمطالبة بالثمن، حيث يعد عقد
البيع هو مصدر التزام المشتري بالثمن، وعلى ذلك تعتبر إثبات عقد البيع أمام القاضي
واقعة متعلقة بالدعوى، وكذلك منتجة فيها.
كما
يظهر هذا الشرط جلياً في حالة الإثبات غير المباشـر، حيث يعتمد الإثبات غير
المباشر على تحويل الدليل، وتكون الواقعة البديلة المراد إثباتها قريبة من الواقعة
الأصلية ومتصلة كذلك بهـا اتصالاﹰ وثيقاً، ويترتب على هذا الاتصال الوثيـق أن
يجعـل مـن الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالحق المطالب به.
ومثال ذلك أن يقدم المستأجر
مخالصات بالأجرة
عن جميـع المدد السابقة على المدة التي يطالب المؤجر بقيمتهـا الإيجازيـة، ويهدف
المستأجر من تقديم تلك المخالصات إثبات انتظامه في سداد الأجرة ولم يكن مخلاﹰ
بالتزامه الجوهري فى عقد الإيجار، فيمكن اعتبارها واقعة متعلقة بالدعوى لاتصالها
بواقعة الوفاء بالأجرة.
تعد
من المسائل الموضوعية التي يقدرها قاضـي الموضوع، ولا يخضع لرقابة محكمة النقض في
ذلك.
رابعاً: أن تكون الواقعة
منتجة فى الإثبات:
يقصد
بكون الواقعة المراد إثباتها منتجـة فـي الـدعوى أن يترتب على ثبوتها إقناع
القاضي، ولا يشترط أن تكون حاسمة في حل النزاع، بل يكفي أن يتوافر بها أحد عناصر
الإقناع، أي تكون ضمن مجموعة من الوقائع تؤدى لإقناع القاضي.
وتجدر
الإشارة إلى أن كون الواقعة منتجة في الدعوى هـي مرتبة أعلى من كون الواقعة متعلقة
بالدعوى، فكل واقعـة متعلقـة بالدعوى ليست بالضرورة منتجة فيها، ولكن كل واقعة
منتجة فـي الدعوى تكون حتماً متعلقة بها.
فمن
يدعي بملكية عين استناداً لكسب الملكية، فيعد إثباته لواقعة حيازة العين مدة
التقادم الطويـل )١٥سنة) تعد واقعة منتجة في الإثبات ومتعلقة بها، بينمـا إذا لـم يستطع
إثبات كافة الشروط مثل إثباته فقط واقعة الحيازة ولكن لمدة تقل عن التقادم الطويل،
فهي واقعة متعلقة بالدعوى، ولكنها غيـر منتجة فيه.
ويعتبر
مدى اعتبار الواقعة محل الإثبات منتجة في الدعوى من المسائل الموضوعية التي لا
تخضع لرقابة محكمـة الـنقض، طالما أقام قاضي الموضوع حكمه على أسباب سائغة.
خامساً: أن تكون الواقعة
جائزة الإثبات:
يجب
لقبول الواقعة كمحل للإثبات أن يكون إثباتها أمر جائز من الناحيتين الواقعية
والقانونية، وتكون الواقعة جائزة الإثبات من الناحية الواقعية إذا كان لا يستحيل
إثباتها، فلا يجوز للقاضـي أن يأمر بإثبات واقعة مستحيلة.
كما
يجب في الواقعة محل الإثبات أن يكون إثباتها أمر جائز من الناحية القانونية، فالقانون
قد لا يجيز إثبات واقعة معينة تحقيقاً لأغراض مختلفة، مثل إذا كان إثبات الواقعة
يتعارض مع النظـام العام والآداب مثل المحافظة على أسرار المهنـة، وتحـريم ديـن المقامرة،
والربا الفاحش، وبيع المخدرات.
المطلب الثالث: عبء الإثبات
تنص
المادة الأولى من قانون الإثبات على أنه " على الدائن إثبات الالتزام، وعلى
المدين إثبات التخلص منه".
يتعلق
هذا النص بتحديد أياً من طرفي الدعوى القضائية الذى يقع عليه عبء الإثبات فى
الدعوى، بمعني أياً منهما يكلف بالإثبات دون الآخر.
وتهدف
هذه القاعدة لتحقيق التكافؤ والتوازن بين طرفي الخصومة، فكلاً منهما فى ذات المركز
القانوني، وبإمكان كلاً منهما إثبات ما يدعيه بكل الوسائل.
ومن
المبادئ المقررة فى الفقه الإسلامي أن البينة على من ادعي واليمين على من أنكر،
وهذا ما أخذ به المشرع المصري، فالمدعي هو من يقع عليه عبء إثبات ادعائه، سواء كان
دائناً يدعي ثبوت الدائنية، أو كان مديناً يدعي التخلص من المديونية.
فإذا
كان المدعي هو من يقع عليه عبء إثبات إدعائه، فإنـه يجب بداهة تحديد من هو المدعي
الذي يتحمل بعبء الإثبات.
ويعرف
المدعي بأنه من يقوم برفع الدعوى القضائية علـى الغير للمطالبة بحق معين، وبذلك
يكون مدع في دعواه، ويقع عليه عبء إثبات ادعائه، فمؤجر المكان الذي يطالب مستأجره
بالقيمـة الايجارية يجب عليه إثبات قيمة الدين المسـتحق لـه فـي ذمـة المستأجر
فضلاً عن إثبات مصدر الدين سواء أكان تصرفاً قانونيـاً كعقد، أو واقعة قانونية مثل
العمل غير المشروع.
ويمكن
أن يكون المدعي شخصاً آخراً غير من يقوم برفع الدعوى، مثل قيام المدعي عليه بإبداء
دفع معين فى الدعوى، فيصبح بذلك مدعياً فى هذا الدفع، ويقع عليه عبء إثباته، مثل
دفع المدين بسداد الدين فعليه هنا إثبات وفائه بالدين.
وبناء
على ذلك، يكون مدعياً ويتحمل عبء الإثبات هو المدعي فى الدعوى الذى يقوم برفع
الدعوى، وكذلك من يدفع دفعاً معيناً فى الدعوى يكون مدعياً به.
مدي تعلق القاعدة بالنظام العام:
وتعتبر
قاعدة أن على الدائن عبء إثبات الالتزام وأن علـى المدين عبء إثبات التخلص منه من
القواعد العامة التـي قررهـا المشرع، وهي قاعدة غير متعلقة بالنظام العام، حيث
يمكـن أن يرد عليها بعض الاستثناءات، ونذكر من هذه الاستثناءات ما يلي:
أولاً: القرائن القانونية
التى يقررها المشرع:
القرينة
القانونية التي قررها المشرع حـين اعتبـر الشـرط الجزائي المتفق عليه بين
المتعاقدين قرينة قانونية بسـيطة (غيـر قاطعة) على وقوع الضرر.
ومؤدي
ذلك، في حالة اتفاق المتعاقدين على شرط جزائي في العقد فإن تحقق استحقاق الشرط
الجزائي يجعل الضرر واقعاً وفقاً لاتفاق المتعاقدين، وهو ما يعني أن الدائن لا
يكلف بإثبات الضرر، وسبب ذلك أن تحقق الضرر يستند لقرينة قانونية بسيطة، بينما يقع
على المدين عبء إثبات عدم تحقق شرط استحقاق الشرط الجزائي أو إثبات عدم وقوع الضرر.
ويعتبر
تحديد من يتحمل عبء الإثبات من المسائل القانونية والتي يخضع فيها قاضي الموضوع
لرقابة محكمة النقض.
ثانياً: من يتمسك بالثابت
أصلاً لا يكلف بإثباته:
من
يتمسك بالوضع الثابت أصلاﹰ لا يكلف بإثبات ما يدعيه، بينما على من يدعي خلاف ما هو
ثابت أصلاﹰ إثبات ادعائه، وسبب ذلك أن من يتمسك بوضع ثابت من حيث الأصل فالقانون يحميـه
استقرارا للتعامل، ويترك على الأصل دون أن يكلف من يتمسك به بعناء عبء الإثبات.
وفى
حالة ادعاء غير ما هو ثابت أصلاً فهو يستحدث أمراً جديداً، ولا تدعمه قرينة بقاء
الأصل على أصله، ويجب على من يدعيه إثبات ادعائه، كي يتمتع بحماية القانون.
1- الأصل براءة الذمة فى
نطاق الحقوق الشخصية:
يعد
الأصل في نطاق الحقوق الشخصية هو براءة الذمة مـن كل التزام، فمن يتمسك بهذا الأصل
أي يتمسك ببراءة ذمته الماليـة فلا يقع عليه عبء إثبات براءة ذمته، بينما يعد انشغال
الذمـة المالية بدين أو التزام معين أمر عارض يجب على من يدعيه عبء إثباته.
فمن
يدعي خلاف هذا الأصل وجب عليه إثبات ادعائه، مثل من يدعي ديناً مستحقاً له في ذمة
غيره، وجب عليه إثباته وبيـان مصدره.
وفي
هذا الصدد فإنه يكفي إثبات نشأة الالتزام، حيث يثبـت بذلك انشغال ذمة المدين به،
ويكون على المدين بعد ذلـك إثبـات براءة ذمته منه.
كما
قد يختار القانون وضعاً معيناً يعتبره أصلاً يعتمد عليه، مثل عيوب الإرادة، بحيث
يكون الأصل هو صحة العقد وسلامته من عيوب الإرادة، وعلى من يدعي خلاف هذا الأصل
بادعاء وجود عيب معين إثباته.
2- الوضع الظاهر هو الأصل
فى نطاق الحقوق العينية:
يعد
الوضع الظاهر هو الأساس الذي يعتمد عليه في نطـاق الحقوق العينية، فالحائز للعين
لا يطالب بإثبات ملكيتها، لأن الوضع الظاهر يتبين منه أن الحائز هو المالك لها،
وعلى من يدعي ملكية العين يكون خارجاً عن الأصل فى نطاق الحقوق العينية مما يجب
عليه إثبات ادعائه بإثبات ملكيته.
3- الوضع الثابت فرضاً:
يتقرر
الوضع الثابت فرضاً عندما يفرض القانون وجوده عن طريق قرينة قانونية، ويعد الثابت
فرضاً كالثابت أصلاً وكالثابت ظاهراً.
ومن
أمثلة ذلك: ما قرره المشرع من قرينة قانونية بسـيطة مؤداها أن وفاء المستأجر بقسط
من الأجرة قرينـة علـى الوفـاء بالأقساط السابقة على هذا القسط، كما قرر المشرع في
قـانون الإثبات قرينة مؤداها أن التأشير على سند الدين بما يسـتفاد منـه براءة ذمة
المدين يعد حجة على الدائن إلى أن يثبت العكس.
ويترتب
على تقرير المشرع لقرينة قانونية بسـيطة (تقبـل إثبات العكس) أنها تنقل عبء
الإثبات ممن يتمسك بها إلى خصمه، بينما إذا كانت القرينة القانونية قاطعة (غير
قابلة لإثبات العكـس) أنها تعفي من يتمسك بها من عبء الإثبات بشكل نهائي ولا تقتصر
فقط على مجرد نقل عبء الإثبات.
الفصل الثاني:الكتابة
تعد
الكتابة من الطرق المهيأة فى الإثبات، ويقصد بالطرق المهيأة هي التى أعدها صاحب
الشأن مقدماً لإثبات حقه حال المنازعة بشأنه.
وتسمي
الكتابة بالسند لأنها أعدت لتكون دليلاً يستند إليه عند حدوث النزاع.
وقد
ترد الكتابة في شكل محررات رسمية تتم على يد موظف عام مختص يعطى لها الطابع
الرسـمي والثقـة والطمأنينـة فـي التعامل، وقد ترد الكتابة في شكل محررات عرفية
تتم بين أشخاص عاديين وتفتقد للكثير من الضمانات المقـررة بشـأن المحـررات الرسمية.
ونعرض
في هذا الفصل لنوعي المحررات المكتوبة: الرسمية والعرفية في المبحثين التاليين:
المبحث الأول:المحررات الرسمية
نبين
من خلال هذا المبحث لعدة أمور جوهرية بشأن المحررات الرسمية، وفى مقدمتها المقصود
بالمحررات الرسمية وشروط صحتها واكتسابها الصفة الرسمية، ثم نبين حجية المحررات
الرسمية سواء فى مواجهة الأشخاص أو بالنسبة لبياناتها، ثم نعرض أخيراً لحجية صور
المحررات الرسمية.
الأول: المقصود بالمحررات
الرسمية وشروط صحتها.
الثاني: حجية المحررات
الرسمية فى الإثبات.
الثالث: صور المحررات
الرسمية.
المطلب الأول :المقصود
بالمحررات الرسمية وشروط صحتها
وضع
المشرع بالمادة العاشرة من قـانون الإثبـات تعريفـاً للمحررات الرسمية، ويستفاد من
التعريف التشريعي لها الشـروط الواجب تحققها لصحة المحررات الرسمية.
وهذا
ما سنبينه فيما يلي:
الأول:المقصود بالمحررات
الرسمية
تنص
المادة العاشرة من قانون الإثبات على أنه " المحررات الرسمية هي التي يثبت
فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمـة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشـأن،
وذلـك طبقـاً للأوضاع القانونية وفى حدود سلطته واختصاصه. فإذا لم تكسب هذه
المحررات صفة رسمية، فلا يكون لها إلا قيمـة المحررات العرفية متى كان ذوو الشأن
قد وقعوها بإمضـاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم".
ويستفاد
من هذا النص أن المشرع قـد عـرف المحـررات الرسمية في قانون الإثبات في المواد
المدنية والتجارية.
ووفقاً للتعريف التشريعي
للمحررات الرسمية فهي التي يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على
يديـه أو ما تلقاه من ذوى الشأن، وذلك طبقاً للأوضاع القانونية وفي حـدود سلطته
واختصاصه.
وإذا
لم يتوافر في المحرر الرسـمي الشـروط والأوضـاع القانونية التي تتطلبها المشرع
لإضفاء الرسمية على المحرر، فـإن هذه المحررات لا تعدو أن تكون محررات عرفية إذا
توافر بشأنها الشرط الأساس الذي قرره المشرع بالنسبة للمحررات العرفية وهو التوقيع
سواء بالإمضاء أو البصمة أو الختم.
الثاني:شروط صحة المحررات
الرسمية
يتبين
من تعريف المحررات الرسمية أنه يشترط في المحرر الرسمي ثلاثة شروط هي:
صدور
المحرر من موظف عام أو شخص مكلف عام.
أن
يقوم بكتابته فى حدود سلطته واختصاصه.
أن
يراعي الأوضاع التى قررها القانون.
أولاً: صدور المحرر من موظف عام
أو شخص مكلف عام:
يقصد
بالموظف العام والشخص المكلف بخدمة عامـة كـل شخص تعينه الدولة للقيام بعمل من
أعمالها، سواء كان ذلك بـأجر كالموثق والمحضر، أو كان بغير أجر كالمأذون والعمدة.
ولا
يشترط لاعتبار المحرر رسمياً أن يكون من صدر عنه موظفاً عاماً، بل يكفي أن يصدر من
شخص مكلف بخدمة عامة مثل العمدة والخبير فيما يتعلق بالمحاضر التى يحرر فيها نتيجة
المهمة التى انتدبته المحكمة من أجلها.
وعلى
حسب تنـوع الأوراق الرسـمية يتعـدد الموظفـون العموميون، فالموظف العام المختص
بتحرير التصرفات القانونيـة هو الموثق، والموظف العام المختص بتحرير الأحكام
القضائية هو القاضي، والموظف المختص بتدوين ما يدور في جلسات القضـاء من إجراءات ومرافعة
هو كاتب الجلسة.
كما
أن المأذون الشـرعي عنـد تحريـره لعقـود الـزواج وإشهادات الطلاق للمصريين
المسلمين هو موظف عام وما يصدر عنه يعد محرراً رسمياً طالما تـوافرت بـاقي شـروط
المحـرر الرسمي.
ثانياً: أن يقوم بتحريرها فى
حدود سلطته واختصاصه:
يشترط
فى المحرر الرسمي أن يكون المحرر صادراً من موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة، وأن
يكون الموظف العام أو المكلف بخدمة عامة قد قام بتحرير الورقة فى حدود سلطته
واختصاصه.
وعلى
ذلك، يجب أن يكون للموظف العام أو المكلف بخدمة
عامة سلطة فى تحرير الورقة أي له ولاية تحريرها، فإذا صدرت الورقة بعد عزله أو
نقله أو وقفه وإخطاره بذلك، فإنها تكون باطلة، كما يجب أن يكون مختصاً بتحريرها
نوعياً ومكانياً.
ومن
دواعي تمتع الموظف العام والمكلـف بخدمـة عامـة بالسلطة في تحرير ورقة رسمية ألا
يوجد لديه مانع قانوني يحـول دون صلاحيته لمباشرة تحرير الورقة الرسمية.
ومن
هذه الموانع ما نصت عليه المادة الرابعة من اللائحـة التنفيذية لقانون التوثيق بأنه
"لا يجوز للموثق أن يباشر توثيق محرر يخصه شخصيا أو تربطه وأصـحاب الشـأن
فيـه صـلة مصاهرة أو قرابة لغاية الدرجة الرابعة".
وعلى
ذلك، لا يجوز أن يكون الموثق نفسه طرفاً فى
الورقة الرسمية التى يوثقها، وكذلك لا يجوز أن يكون بين الموثق وأصحاب الشأن صلة
قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة، دفعاً لشبهة المحاباة أو التأثير.
كما
يشترط فى الموظف العام أن يكون مختصاً من الناحية الموضوعية بنوع الورقة الرسمية التي
يقوم بتحريرها، فإذا حـرر موظف عام ورقة لا تدخل في اختصاصه من حيث نوعها فهذه
الورقـة لا تثبت لها صفة الرسمية، كما لو حرر المأذون عقد رهن رسـمي أو حرر المحضر
عقد زواج.
كما
يخرج عن الاختصاص الموضوعي للموثق – فى مصر – مسائل الأحوال الشخصية بالنسبة
للمصريين المسلمين (عقود الزواج وإشهادات الطلاق والرجعة والتصادق على ذلك) وتكون
من اختصاص المأذون الشرعي.
وبالنسبة للمصريين غير المسلمين
يختص الموثق المنتدب والمعين بقرار من وزير العدل بتحرير الوثيقة الرسمية الخاصة
بعقد الزواج، وهو محرر رسمي يترتب عليه قانوناً آثار المحرر الرسمي.
ويعتبر
كاتب الجلسة موظفاً عاماً ويعتبر محضر الجلسة ورقة رسمية يدخل فى اختصاص محرره وهو
كاتب الجلسة، وما أثبت فيه حجة على الكافة فلا يجوز إنكار ما ورد به إلا بالطعن
عليه بالتزوير.
ومن
الجدير بالذكر أنه إذا كان يشترط فى الورقة
الرسمية أن يكون محررها موظفاً عاماً يختص بتحريرها بمقتضي وظيفته، فإنه لا يشترط
فى الموظف العام الذى يتولى تحريرها أن يكون متخصصاً فيما يدلي به ذوو الشأن من
أقوال أمامه.
الاختصاص المكاني:
يجب
كذلك أن يكون الموظف العام مختص مكانياً من حيث الاختصاص المكاني للموظف العام،
وعلى سبيل المثال تنص المادة الرابعة من قانون التوثيق على أنه "لا يجوز
للموثق أن يباشر عمله إلا في دائرة اختصاصه".
ولكل
مكتب توثيق دائرة معينة يقوم في حدودها الموثقون في هذا المكتب بتوثيق الأوراق
الرسمية التي يطلب منهم توثيقها.
وتجدر
الإشارة إلى أن الاختصاص المكاني لمكاتب التوثيـق إنما يقيد مكاتب التوثيق وحدها،
أي الموثقين بمكتب معين لا يجوز لهم مباشرة عملهم خارج دائرة اختصاصـهم، ومـع ذلـك
يظـل أصحاب الشأن ممن يطلبون توثيق أوراقهم غير مقيـدين بـدائرة اختصاص معين.
ثالثاً: أن يراعي الأوضاع
التى قررها القانون:
يوجد
أوضاع معينة قررها القانون – على حسب نوع المحررات الرسمية – يجب على الموظف العام
استيفائها حتى يكتسب المحرر الصفة الرسمية.
ووفقاً
لقانون التوثيق فإن المحررات الخاصـة بالتصـرفات القانونية المدنية يجب على الموثق
قبل إجراء التوثيق أن يتثبت من أهلية المتعاقدين ورضائهم وصفاتهم وسلطاتهم.
كما
يجب بشأنها أن يكون المحرر مكتوباً باللغة العربية وبخط واضح، دون إضافة أو تحشير
أو كشط، وأن يشتمل – عدا البيانات الخاصة بموضوع المحرر – على ذكر السنة والشهور
واليوم والساعة التى تم فيها التوثيف، واسم الموثق ولقبه ووظيفته، وبيان ما إذا
كان التوثيق قد تم بالمكتب أو فى مكان آخر، وأسماء الشهود وأسماء أصحاب الشأن،
وعلى الشهود أن يوقعوا على المحرر مع أصحاب الشأن ومع الموثق، كما يجب على الموثق،
قبل توقيع ذوى الشأن على المحرر المراد توثيقه، أن يتلو عليهم الصـيغة الكاملـة
للمحـرر ومرفقاته، وأن يبين لهم الأثر القانوني المترتب عليه دون أن يؤثر فـي إرادتهم.
وإذا
تم التعاقد بوكيل فعلى الموثق أن يتأكد من أن مضمون المحرر المطلوب توثيقه لا
يجاوز حدود الوكالة.
المطلب الثاني:جزاء تخلف
شرط من الشروط اللازمة لصحة المحرر الرسمي
إذا
تخلف شرط من الشروط السابقة لا يكتسب المحرر صفة الرسمية، فإذا كانت الورقة
الصادرة من غير موظف عام، أو مـن موظف عام غير مختص، أو من موظف عام مختص ولكنـه
لـم يراع فى تحرير الورقة الأوضاع المقررة قانونـاً، حينئذ تكون الورقة باطلة
باعتبارها ورقة رسمية.
وإذا
لم يكن للموظف العام سلطة في التوثيق، مثـل وجـود مصلحة شخصية مباشرة له في الورقة
الموثقة، أو ربطته بأصحاب الشأن أو بالشهود قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة،
أو وثـق ورقة من نوع لا يدخل في اختصاصه، فإن الورقة تكون باطلة في جميع هذه
الأحوال.
وبالنسبة لجزاء تخلف شرط مراعاة
الأوضاع القانونية، فإنه ينبغي التفرقة بين الأوضاع والإجراءات الجوهرية، وبين
الأوضاع والإجراءات غير الجوهرية، حيث تفقد الورقة صفة الرسـمية إذا كان هناك
إخلال بوضع أو إجراء جوهري في تحرير الورقة، مثال ذلك: إغفال التاريخ أو اسم الموثق
أو عدم ذكر أسماء ذوي الشأن، أو كتابة الورقة بغير اللغة العربية.
أما
الأوضاع والإجراءات غير الجوهرية كـدفع الرسـم أو ترقيم صفحات المحرر، فإن تخلفها
لا يفقد المحرر صفتها لرسمية، ولا يترتب عليها بطلان المحرر.
ولكن
ما أثر فقدان صفة الرسمية على المحرر مـن حيـث اعتباره دليلاً كتابياً؟ أي هل يتجرد
المحرر من كل قيمته القانونية؟
تقرر
الفقرة الثانية من المادة العاشرة من قانون الإثبات أنه: "إذا لم تكسب
المحررات صفة رسمية، فلا يكـون لهـا إلا قيمـة المحررات العرفية متى كان ذوو الشأن
قد وقعوها بإمضـاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم".
يستفاد
من ذلك: "أن المحرر هنا يستخدم كمحـرر عرفـي طالما كان موقعاً عليه، لأن
التوقيع هو الشـرط الجـوهري فـي المحرر العرفي، وبشرط أن يوقع عليه ذو الشأن بإمضـاءاتهم
أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم.
ومن
الجدير بالذكر أن الرسمية إذا كانت متطلبـة لانعقـاد التصرف القانوني سواء بحكم
القانون مثـل الـرهن الرسـمي، أو باتفاق الطرفين فإن المحرر الباطل لا يكون له أي
قيمة لأن تخلف الرسمية مؤداه تخلف ركن من أركان التصرف.
ويختلف
الأمر إذا كان اتفاق الطرفين على الرسمية متطلباً فقط لإثبات التصرف، فإن المحرر
الباطل فى هذه الحالة تكون له قيمة المحرر العرفي متي كان موقعاً عليه.
المطلب الثالث:حجية
المحررات الرسمية فى الإثبات
أنه
إذا استوفت الورقة الشروط القانونيـة اللازمـة، لاعتبارها محرراً رسمياً،وكان
مظهرها يوحي بالثقة فـي رسـميتها، قامت حينئذ قرينة على سلامتها المادية وصدورها
ممـن وقعوهـا، ويكون بذلك المحرر الرسمي حجة بذاته، ويحمل المحرر الرسـمي قرينة
مزدوجة وهما: قرينة بسلامته المادية، وقرينة بصحة صدوره ممن وقعوه من موظف عام
وأصحاب الشأن.
ويعني
ذلك افتراض صحة المحرر الرسمي إلى أن يثبت ذو المصلحة عدم الرسمية لبطلانها أو
تزويرها، ولا يكون ذلك إلا من خلال الطعن بالتزوير.
الفرع الأول:حجية المحررات
الرسمية بالنسبة للبيانات
يحمل
المحرر الرسمي نوعين من البيانات وهمـا: بيانـات وقعت من الموظف العام بنفسه في
حـدود مهمتـه واختصاصـه، وبيانات وقعت من ذوي الشأن واقتصر الموظف العام على
تدوينها تحت مسئوليتهم.
أولاً: البيانات التى تصدر
من الموظف العام:
تتمثل
البيانات التي تصدر من الموظف العـام أو الشـخص المكلف بخدمة عامة فيما يقوم
بتدوينه وكتابته في حـدود مهمتـه، ومن أمثلة هذه البيانات: البيانات العامة التي
يثبتهـا الموثـق فـي المحرر، كتاريخ الورقة، ومكان التوثيق، وإثبات توقيع ذوي
الشأن والتحقق من أسمائهم وأهليتهم وتوقيع الموثق.
كما
تشمل هذه البيانات ما قام به ذوو الشأن أمام الموثق عن طريق القول أو الفعل، مثل
إقرار الأطراف بدفع الـثمن، وإقـرار البائع بتسلم الثمن، وإقرار المشتري بتسلم
المبيع.
ثانياً: البيانات التى تصدر
من ذوى الشأن ويوقعها الموظف تحت مسئوليتهم:
هذه
البيانات يدونها الموظف وفقاً لإقرار ذوو الشأن دون أن يكون ملزماً بالتحقق من
صحتها، ولذلك لا تثبت لها الصفة الرسمية، ولا تتمتع بذات حجية المحررات الرسمية فى
الإثبات، بل يجوز إثبات عكسها دون الحاجة للطعن فى المحرر بالتزوير، بل يجوز إثبات
عكسها بطرق الإثبات العادية مثل أي دليل كتابي عادي.
وبناء
على ذلك فإن هذه البيانات لا يلحقها حجية المحررات الرسمية، وتخضع لما لقاضى
الموضوع من سلطة في تقدير الدليل وإذا لم يأخذ بها القاضي، ولم يعتد بالقرينة
المستفادة من هذا المستند وأقام قضاءه على أدلة مناهضة استقاها من أقـوال الشـهود فـإن
المحكمة بذلك لم تتجاوز حدود سلطاتها في تقدير الأدلة والموازنـة بينها.
وعلى
ذلك، إذا أثبت الموثق أن البائع قد أقر أمامه بقـبض الثمن، فلا يجوز الطعن في هذا
الإقرار إلا بالتزوير، ومع ذلك فإن واقعة قبض الثمن في ذاتها لم تتم أمام الموثق
ولم يتحقق منها، بل صدرت على لسان صاحب الشأن، فيمكن إثبات عكسها دون الحاجة للطعن
بالتزوير.
وإذا
أثبت الموثق أن المشتري قد قام بدفع الثمن أمامه، فـإن هذه الواقعة قد تمت تحت سمع
وبصر الموثق ولا يجوز إنكارها إلا بالطعن بالتزوير، ويمكن لصاحب المصلحة إثبات
صورية الواقعة دون حاجة للطعن بالتزوير، بل من خلال إقامة الـدليل علـى أن المشتري
دفع للبائع الثمن أمام الموثق من نقود البائع نفسه.
الفرع الثاني:حجية المحررات
الرسمية بالنسبة للأشخاص
وفقاً
لما قررته المادة (١١) مـن قـانون الإثبـات مـن أن المحررات الرسمية حجة على الناس
كافة بما دون فيها من أمـور قام بها محررها في حدود مهمته، أو وقعت من ذوي الشـأن
فـي حضوره، ولا يجوز إثبات عكس ذلـك إلا مـن خـلال الطعـن بالتزوير.
فالمحرر
الرسمي حجة على النـاس كافـة، أي فيمـا بـين المتعاقدين، وكذلك في مواجهة الغير.
ويقصد
بالغير الذي يكون المحرر الرسمي حجة عليه هنا هو نفس الغير الذي يحتج عليه بالتصرف
القـانوني وكـذلك الخلـف الخاص مثل الدائن وخلف أحد طرفي التصرف.
بينما
لا يحتج بالمحرر الرسمي على الغير الذي لا يسري في مواجهته التصرف القانوني، مثل
المشتري لعقار الذي سبق لتسجيل عقده حيث يفضل على المشتري الآخر لنفس العقار وكان
تسـجيله متأخراً.
وعلى
ذلك، يحتج بالمحرر الرسمي في مواجهة ذوي الشأن، وكذلك في مواجهة الغير، ومن يريد
أن يدحض ما ورد فيها وممـا يلحق به وصف الرسمية لا يسعه ذلك إلا بطريق الطعن
بالتزوير، غير أن حجية الورقة الرسمية بالنسبة للغير ليس من شأنها أن تمنع هذا
الأخير من إنكار صحة الوقائع التي أثبتها الموثق فـي ذاتهـا، دون أن يتعرض في ذلك
لأمانة الموثق أو صدقه.
ولا
يحتاج الغير فى ذلك إلى الطعن بالتزوير، بل يكفي أن يقيم الدليل على العكس بالطرق
المقررة قانوناً. وله أن ينازع فى صحة التصرف أو فى نفاذه فى حقه وفقاً للقواعد
العامة التى قررها القانون، فدائن البائع له أن يطعن بالصورية فى البيع الرسمي
الصادر من مدينه، وأن يثبت هذه الصورية بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن لأنه من
الغير.
المطلب الرابع :حجية صور
المحررات الرسمية
أمرين
أساسيين وهما:
أولاً: تتمتع الصور الرسمية سواء الخطية أو الفوتوغرافية
بالحجية فى الإثبات، وحجيتها هي ذات حجية المحررات الرسمية الأصلية سواء من حيث
البيانات أو الأشخاص، طالما كانت الصورة الرسمية مطابقة للأصل.
وثانياً: قام المشرع قرينة قانونية مؤداها أن الصورة تكـون مطابقة
للأصل طالما لم ينازع أحد الخصوم فـي مطابقتهـا لهـا منازعة جدية، وإذا وجدت
منازعة جدية ففي هذه الحالة يجب على المحكمة مراجعة الصورة على الأصل.
ويقصد بالصورة الرسمية هي صورة المحرر الرسمي
الذي يصدره الموظف العام المختص ويشهد توقيعه عليها بأنها مطابقـة للأصل المحفوظ لديه.
كما
تعرف الصورة بكونها نسخة حرفية تنقل عن أصل ورقة من الأوراق وتكون خالية من
التوقيع.
ويميز
بين الأصل والصورة من حيث أن الأصل هو الـذي يحمل التوقيعات حيث يوقع جميع الأشخاص
على أصل المحـرر، أما صورة الورقة الرسمية فهي لا تحمل التوقيعات وليست هي التي صدرت
من الموثق بل منقولة عن الأصل بواسطة موظـف عـام مختص، ولذا توصف بكونها صورة
وليست أصل وكـذلك بأنهـا رسمية لأنها صادرة عن موظف عام مختص.
ولا
يوجد فارق بين الصورة الخطية والصورة الفوتوغرافية للمحررات الرسمية مادامت كلتاهما
صورة رسـمية، وقـد تكـون الصور الفوتوغرافية أكثر دقة من الناحية العملية.
يجب
التمييز بين ما إذا كان أصل المحرر الرسمي موجوداً، وحالة عدم وجود أصل المحرر
الرسمي، ونعرض لذلك تباعاً:
الفرع الأول:حالة وجود أصل
المحرر الرسمي
ويستفاد
من ذلك أنه إذا كان أصل الورقة الرسمية موجوداً، فإن الصورة الرسمية المأخوذة من هذا
الأصل تكون لها حجية في الإثبات بالقدر الذي تكون فيه مطابقة للأصل، وبشرط ألا
ينـازع أحد الطرفين في مطابقتها للأصل.
فالأصل
أن الصورة تعتبر مطابقة للأصل، ما لم يتمسك أحد الخصوم بغير ذلك، وعندئذ تراجع
الصورة على الأصل، وبمجـرد إنكار الخصم مطابقة الصورة للأصل يكون على المحكمة أن
تأمر بالمراجعة، ما لم يتبين للمحكمة من ظروف الحال أن المقصود من الإنكار هو مجرد
المماطلة والكيد.
ويعتبر
وجود الصورة الرسمية وكذلك الأصل بمثابة قرينـة قانونية على مطابقة الصورة الرسمية
للأصل، وتصـبح للصـورة الرسمية ذات حجية الأصل.
وتم
الحكم بأنه "وجود الصورة الرسمية لأصل موجود تعـد قرينة قانونية على مطابقتها
للأصل، وتصبح لها حجية في الإثبات كتلك الحجية التي يعطيها القانون للأصل، وتظل
هذه القرينة قائمة منتجة آثارها، ولو نازع الخصم في مدى مطابقتها للأصل، مادامت هذه
المنازعة غير متسمة بالجديـة، وهـو مـا يخضـع لتقـدير المحكمة".
الفرع الثاني:حالة عدم وجود
أصل المحرر الرسمي
تنص
المادة (١٣) من قانون الإثبات على أنه "إذا لم يوجـد أصل المحرر الرسمي كانت
الصورة حجة علـى الوجـه الآتـي: )أ)
يكون للصورة الرسمية الأصلية تنفيذية كانت أو غير تنفيذيـة حجية الأصل متى كان
مظهرها الخارجي لا يسـمح بالشـك فـي مطابقتها للأصل.
(ب)
ويكون للصورة الرسمية المأخوذة من الصورة الأصلية الحجية ذاتها ولكن يجوز في هذه
الحالة لكـل مـن الطـرفين أن يطلـب ذاتها ولكن لا يجوز فى هذه الحالة لكل من
الطرفين أن يطلب مراجعتها على الصورة الأصلية التى أخذت منها.
)جـ( أما ما يؤخذ من صور رسمية للصور المأخوذة من
الصـور الأصلية فلا يعتد به إلا لمجرد الاستئناس تبعاً للظروف".
ويضح
من هذا النص أن المشرع قد وضع أحكاماً قانونية تتعلق بحجية صور المحررات الرسمية في
حالة عدم وجود أصـل المحرر الرسمي، وميز المشرع بين ثلاثـة أنـواع مـن صـور المحررات
الرسمية وهم:
النوع الأول: الصورة الرسمية
الأصلية:
ويقصد
بها صور المحررات الرسمية التي تصدر من موظف عام مختص، وتكون منقولة عن الأصل
مباشرة.
وتتمتع
الصورة الرسمية الأصلية بنفس حجية المحرر الرسمي الأصلي، طالما كان مظهرها الخارجي
لا يدع مجالاً للشك فى مطابقتها للأصل.
ويستوي
هنا أن تكون الصورة الرسـمية الأصـلية صـوراً تنفيذية أو غير تنفيذية.
والصور
التنفيذية هي التي تحمل الصيغة التنفيذيـة ويمكـن للدائن التنفيذ على المدين
مباشرة بمقتضاها، ولا تعطـى الصـورة التنفيذية إلا لمرة واحدة، وتعطى فقط للدائن،
مثل البائع الـذي لـم يتسلم الثمن، والمشتري الذي لم يتسلم المنيع.
وإذا
فقدت الصورة التنفيذية الأولى فلا يجوز تسليم صـورة تنفيذية ثانية إلا بحكم من
المحكمة الجزئية التي يقع فـي دائرتهـا مكتب التوثيق.
أما
الصورة غير التنفيذية فلا تحمل الصيغة التنفيذية، وتعطى لذوى الشأن.
كما
يعد من الصور الرسمية الأصلية تلـك الصـورة التـي تحرر بحضور القاضي المنتدب عند
صدور قرار من المحكمة بضم الأصل لملف الدعوى، ويتم تحريرها مكان الأصل، وتشمل علـى
محضر في نهايتها يوقعه كل من القاضي والموثق وكاتب المحكمة، وتقوم هذه الصورة مقام
الأصل لحين رد الأصل.
النوع الثاني: الصورة الرسمية
المأخوذة من الصورة الأصلية:
ويقصد
بها الصورة التي يصدرها موظف عـام مخـتص، ولكنها ليست مأخوذة من الأصل بل مأخوذة
من صـورة رسـمية أصلية.
وقرر
القانون لها حجية الصورة الرسمية الأصلية بشرط أن تكون الصورة الرسمية الأصلية
المأخوذة عنها موجودة حتى يمكن المراجعة والمطابقة عليها إذا طلب ذوى الشأن ذلك.
أما
إذا فقدت الصورة الرسمية الأصلية فلا يكـون للصـورة المأخوذة عنها عند النزاع
بشأنها حجية ولا يعتد بها إلا على سبيل الاستئناس.
النوع الثالث: الصورة الرسمية
للصورة المأخوذة من الصورة الأصلية:
قرر
المشرع صراحة أن الصورة الرسمية للصورة المأخوذة من الصورة الأصلية لا تتمتع
بالحجية إلا على سـبيل الاسـتئناس
وتبعاً
للظروف التي يقدرها القاضي، كما لا تصلح هذه الصورة لأن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة
لتعدد حلقاتهـا فهـي صـورة الصـورة لصورة.
المبحث الثاني:المحررات العرفية
المحررات
العرفية هي التى تصدر عن الأفراد وتتضمن كتابة موقعة من ذوى الشأن، وتعد دليلاً
كاملاً بحقهم، وتغني من تقررت لمصلحته عن تقديم دليل آخر يؤيدها، بل يلقي عبء
إثبات عكسها على من وقع المحرر.
كما
أن المحررات العرفية لا يتـدخل موظـف عـام فـي تحريرها، وتنقسم لمحررات عرفية معدة
للإثبات، ومحررات عرفية غير معدة للإثبات.
المطلب الأول
شروط المحررات العرفية
يعد
التوقيع على المحررات العرفية هو الشـرط الجـوهري والأساس لصحة المحرر العرفي
المعد للإثبات، كما يوجـد شـرط بديهي وهو أن يتضمن المحرر العرفي كتابة معينة.
الفرع الأول
الكتابة
يجب
أن يتضمن المحرر العرفـي لكتابـة معينـة ينصـب مضمونها على الواقعة المراد إثباتها
بالورقة، فإذا كانت هذه الواقعة عقد بيع، فتكون الكتابة متضمنة لاتفاق الطرفين على
المبيع والثمن وسائر شروط البيع.
وبالنسبة لبيانات الورقة
المكتوبة فيجوز أن تكون بخط المدين أو بخط شخص آخر، ويجوز أن يكتب الورقة المـدين
بنفسـه أو الدائن أو شخص أجنبي، ويجوز أن تكون الكتابة باليد أو الطباعـة أو بأي
طريقة أخري.
كما
لا يشترط أن يحضر كتابة المحرر شهود يوقعون عليهن وإن جرت العادة على ذلك.
وعلى
ذلك، تعد الكتابة الواردة بالمحرر العرفي حجة علـى من وقع على هذا المحرر، ويعد
توقيع الشـخص علـى المحـرر ارتضاء منه بمضمون هذه الكتابة والتزامه بها، ولذلك
تعتبر الكتابة والتوقيع وحدة واحدة لا انفصام لها.
الفرع الثاني
التوقيع
نستطيع
القول أن التوقيع هو الشرط الوحيـد فـي القـانون المصري لصحة المحرر العرفي، فلا
يشترط في صـحة المحـرر العرفي سوى توقيع من هو حجة عليه.
وتستمد
المحرر العرفي حجيته في الإثبات من التوقيع وحده، فإن خلت الورقة من التوقيع فلا
تكون حجة على من لم يوقع عليها، ولا تصلح كذلك أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة إلا إذا
كانت مكتوبـة بخط الشخص.
لم
يعرف المشرع المصري في قانون الإثبات رقم٢٥لسنة ١٩٦٨، التوقيع، ولذلك ذهب الفقه
لتعريف التوقيع الكتـابي بأنـه العلامة الخطية التي تميز شخص الموقع، سواء كان
بالإمضـاء أو بالختم أو ببصمة الإصبع، وتكون علي محررات ورقية أي دعامات مادية.
ولقد أقر المشرع المصري صوراً ثلاث لتوقيع المحرر
العرفي، وقد ساوي المشرع بين الصور الثلاث فى حجيتها فى الإثبات، وتتمثل فى
الإمضاء والختم وبصمة الإصبع.
وإذ
يكتفي المشرع بإحدى هذه الطرق ويسوى بينها في الحكم بصحة التوقيع على الورقة
العرفية، باعتبار أن التوقيع ينصرف في مدلوله إلى الإمضاء أو بصمة الختم أو بصمة
الإصبع.
وقد
يرد التوقيع على المحرر متضمناً صورتين وهما الإمضاء وبصمة الإصبع، أو التوقيع
بالختم بالإضافة لبصمة الإصبع، وأن كانت أهمية ذلك تظهر فى تأكيد التوقيع، أو قد
يكون التوقيع بالبصمة بالإضافة إلى الإمضاء تلبية لطلب الطرف الآخر الذى يقصد
التحفظ من الطعون التى قد توجه فى المستقبل إلى صحة الإمضاء؛ إلا أنه من الناحية
القانونية لم يستلزم المشرع ذلك، بل أنه قد ساوي فى الحجية بين التوقيع بالإمضاء
والتوقيع ببصمة الإصبع وكذلك بالختم.
وكما
يشير البعض فالتوقيع يمثل العلامة الخطية أو الإشارة التى يضعها على المحرر أو
المستند بما يفيد الالتزام به. ولا يشترط فى التوقيع إلا أن يكون دالاً على شخصية
الموقع لهذا يجب أن يوضع التوقيع على المستند من شخص الموقع ذاته أي بفعل يده، لا
من أي شخص آخر أياً كانت صلته به، فالتوقيع علامة شخصية، أو بعبارة أخرى إنه من
الأمور اللصيقة بالشخص.
ولا يشترط في التوقيع بالإمضاء
أن يرد باسم الموقع كاملاﹰ، كما لا يشترط أن يكون بالاسم الحقيقي للموقع حيث يجوز
التوقيـع باسم الشهرة الذي عرف به المدين.
ومن
الجدير بالذكر أنه يعاب على التوقيع بالختم أن التقليـد فيه قد يكون أكثر سهولة من
الإمضاء، بينما تعد بصـمة الإصـبع أكثر دقة.
وإذا
اعترف صاحب الختم بصحة ختمه فلا يجوز له إنكـار التوقيع بالختم ويبقي للمحرر حجيته
ما لم يطعن عليـه بـالتزوير وبالطرق القانونية.
كيفية التوقيع:
نعرض
هنا لحجية التوقيع بالكربون، ثم نبين مكان التوقيـع، ثم نعرض لفكرة النيابة في
التوقيع، على النحو التالي:
أولاً: حجية التوقيع بالكربون:
إذا ورد التوقيع في شكل إمضاء بالكربون فإنه يكون
بـذلك أيضاً إمضاء على محرر قائم بذاته له حجيته في الإثبات
ثانياً: مكان التوقيع:
بالنسبة
للمكان الذي يوضع فيه التوقيع فهو عادة فـي آخـر الورقة حتى يكون منسحباً على جميع
البيانات المكتوبة الواردة فيها، وإذا تعددت الأوراق فيفضل أن يتم توقيعها جميعاً
قطعاً للشك، مثل ما يفعل فى الأوراق الرسمية، وإذا تم التوقيع على بعضها دون البعض
الآخر، فإنه يترك غير الموقع منها لتقدير القاضي من ناحية قوة الإثبات.
ونشير
هنا إلى أنه إذا كان المحرر مكون من أكثر من ورقة وكل منها منفصلة عن الأخرى وذيلت
الورقة الأخيرة بتوقيع مـن يراد الاحتجاج بها عليه، فإنه لا يشترط في هذه الحالة
توقيعه على كل الأوراق، بشرط أن يقيم الدليل على اتصال كل منها بالأخرى اتصالاً
وثيقاً بحيث تكون معا محررا واحدا.
ويعد
إثبات ذلك الأمر من مسائل الواقع التـي يسـتقل بهـا قاضي الموضوع بماله من سلطة في
تقدير الدليل، مما مـؤداه أن هذا المحرر بكل ما اشتملت عليه أوراقه يكون حجة على
من وقـع على الورقة الأخيرة منه ويحتج به على خلفه العام من بعده.
ثالثاً: النيابة فى التوقيع:
يجب
على صاحب الشأن أن يقوم بالتوقيع بنفسه أو من خلال نائباً عنه بشرط أن تثبت صحة
النيابة، واشتمالها علـى تفـويض النائب في التوقيع، وأن يذكر في التوقيع أن يتم
بطريق النيابة عـن صاحب الشأن حتى ينصرف أثر ما يترتب على هذا التوقيـع مـن حقوق
والتزامات لذمة الأصيل، أما إذا تم توقيع المحرر باسـم شخص غير الموقع فالتوقيع لا
يصح ويبطل المحرر ولا تكون لـه حجية في الإثبات.
وفي
حالة طلب توثيق المحررات الموقع عليها بطريق النيابة فيجب على الموثق التحقق أولاً
من حدود الوكالة ومـا إذا كانـت تشتمل على مضمون المحرر المراد توثيق؛ حيـث تـنص
المـادة السادسة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على "إذا تـم التعاقـد بوكيل
فعلى الموثق أن يتأكد من أن مضمون المحـرر المطلـوب توثيقه لا يجاوز حدود الوكالة".
رابعاً: التوقيع على بياض:
إذا
قام الشخص بالتوقيع على ورقة على بياض ثم يعطيهـا للدائن ليدون فيها ما تم الاتفاق
عليه، وبحيث يترك ملء البيانـات للدائن. فإذا قام هذا الدائن بكتابة البيانات فوق
التوقيع أصبح للورقة حجية الورقة العرفية لأن التوقيع صحيح ملزم لصاحبه طالما صدر عن
علم واختيار، أي: كان المدين مدركاً لما يفعل وقام بتسليم الورقة بعد توقيعها على
بياض، اختياراً إلى الدائن.
وعادة
ما يحدث ذلك الأمر إذا كان الدائن محل ثقة المـدين، ولهذا السبب إذا أخل الدائن
بهذه الثقة ودون بيانات تختلـف عـن البيانات المتفق عليها، فإن للمدين إثبات
مخالفة ما دون في الورقـة للاتفاق، ويكون ذلك وفقا للقواعد العامة في الإثبات، وهو
ما يعني أنه لا يجوز إثبات عكس الثابت كتابة إلا بالكتابة، فإذا نجح في ذلك اعتبر
الدائن مرتكباً لجريمة خيانة الأمانة المنصوص عليهـا فـي قانون العقوبات.
وفي
حالة حصول الشخص علـى الورقـة بطريـق غيـر مشروع، كما لو حصل عليها خلسة أو نتيجة
غش أو طرق احتيالية أو بأي طريق آخر خلاف التسليم الاختياري، فإنه يجـوز للموقـع إثبات
ذلك بكل طرق الإثبات، بما في ذلك البينة والقرائن.
وعندئذ بعد تغيير الحقيقة
تزويراً، ويعاقب مرتكبه بعقوبة التزوير، ويعد التوقيع نفسه غير صحيح والورقة
باطلة، ولا يستطيع الغير التمسك بها في مواجهة الموقع حتى ولو كان الغير حسن النية.
المطلب الثاني
مناقشة موضوع المحرر العرفي
تمنع إنكار التوقيع
من
الجدير بالذكر أن من احتج عليه بمحرر عرفـي وقـام بمناقشة موضوعه، فلا يجوز له بعد
ذلك إنكار توقيعه على المحرر سواء كان توقيعه في صورة إمضاء أو بصمة إصبع أو ختم، وفي
ذلك يقرر المشرع بالفقرة الثالثة من المادة (14) من قانون الإثبات أنه " ومن
احتج عليه بمحرر عرفي وناقش موضوعه، لا يقبل منه إنكار الخط أو الإمضاء أو الختم
أو بصمة الإصبع".
ويعني
ذلك أن مناقشة موضوع المحرر تفيد التسليم بصـحة نسبة
الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة لمن يشهد عليه المحرر.
وإذا كان المشرع قد أجاز الادعاء
بالتزوير في أي مرحلـة تكون عليها الدعوى ولو أمام محكمة الاستئناف، إلا أن ذلك لا
يسري في شأن الطعن إنكار التوقيع في المحررات العرفية.
المطلب الثالث
حجية المحررات العرفية فى
الإثبات
نعرض
من خلال هذا المطلب لحجية المحـررات العرفيـة سواء بالنسبة للأشخاص وكذلك لبيانات
المحرر العرفي، وتـاريخ المحرر العرفي ومدى حجيته بين أطرافه وفي مواجهة الغير.
الفرع الأول
حجية المحرر العرفي بالنسبة
للأشخاص
أن
المحرر العرفي حجة على الناس كافة سواء فيما بين الطرفين وكذلك بالنسبة للغير، ونوضح
ذلـك فيمـا يلي:
أولاً: حجية المحرر العرفي
بالنسبة لأطرافه:
يعتبر
المحرر العرفي حجة في العلاقة بين طرفيه، وخاصة على من يحمل المحرر توقيعه.
وبالنسبة
لمن وقع على المحرر العرفي فإما أن يقر ويعترف بتوقيعه على المحرر وأن المحرر صادر
عنه، وإما أن ينكر توقيعه على المحرر ولكن في هذه الحالة اشترط المشرع أن يكون
إنكـاره لتوقيعه إنكاراً صريحاً.
وقضت
محكمة النقض بأنه " المقرر فـي قضـاء هـذه المحكمة أن مفاد نص المادة١٤من
قانون الإثبات أن الطعن بإنكار التوقيع على الورقة العرفية يجب أن يبدى فـي صـيغة
صـريحة جازمة تدل على إصرار المنكر على إنكاره".
وإذا
التزم الموقع على المحرر السكوت ولم يبـين موقفـه بشكل صريح بالاعتراف أو الإنكار فيعـد
السـكوت هنـا بمثابـة اعتراف بالتوقيع.
وإذا
أنكر الشخص صراحة توقيعه أو خطه علـى المحـرر العرفي، فعلى من يحتج بالمحرر عبء إثبات
صدوره من صاحب التوقيع من خلال طلب إحالة المحرر للتحقيق.
ومن
الجدير بالذكر أن إنكار التوقيـع والخـط يـرد علـى المحررات العرفية، أما ادعاء
التزوير فيرد على جميع المحـررات العرفية والرسمية.
وبناء
على ذلك يجوز لصاحب التوقيع أن يطعن على توقيعه في المحرر العرفي بالتزوير، وهو
يتخذ بذلك موقف المهاجم، ويقع عليه عندئذ عبء الإثبات.
كما
يجوز لصاحب التوقيع أن يقتصر فقط على إنكار توقيعه، وعلى من يتمسك بالمحرر عبء
إثبات صحة توقيع الموقع عليه من خلال إجراءات تحقيق الخطوط.
وإذا
كنا أمام محرر رسمي فلا يستطيع صاحب التوقيع إنكار توقيعه إلا من خلال الطعن على
المحرر الرسمي بالتزوير.
وتكمن
العلة في الفارق بين نـوعي المحـررات الرسـمية والعرفية في أن المحرر الرسمي يتوفر
بالنسبة له من الضـمانات التي يستوثق منها بصحة صدور المحرر الرسمي مـن صـاحب التوقيع،
ومن هذه الضمانات أن المحرر الرسـمي يحمـل توقيـع الموظف العام الذي قام بتوثيقه.
بينما
لا تتوافر تلك الضمانات في المحررات العرفيـة، بـل يحمل المحرر العرفي توقيع لأحد
الأشخاص يدعي المتمسك به بأنه توقيع خصمه، ولذا إذا أنكر صاحب التوقيع توقيعه وجـب
علـى المتمسك بالمحرر عبء إثبات صحة توقيع الموقع على المحرر.
ثانياً: مدى حجية المحرر
العرفي فى مواجهة الخلف:
يعد
المحرر العرفي حجة على من صدر منه وعلى الخلـف الخاص إلى أن ينكره صراحة صاحب
التوقيع.
وإذا
لم يتم إنكار التوقيع من الموقع فإنه يكـون حجـة فـي مواجهته، وكذلك في مواجهة
خلفه العام.
وإذا
تم التمسك بالمحرر العرفي بعد وفاة الموقع له فيجوز لوارثه (الخلف العام) أن يتمسك
بعدم صدور المحرر ممن وقعها (مورثه)، ولا يكون ذلك عن طريق إنكار التوقيع بل يكفي
هنا أن يحلف الوارث يميناً بعدم علمه بأن الخط أو الإمضاء أو البصمة أو التوقيع
لمورثه الذى تلقي عنه الحق، وهذا ما يطلق عليه الدفع بالجهالة.
ويتعلق
الدفع بالجهالة فقط بالتوقيع الـوارد علـى المحـرر العرفي ولا يمتد للتصرف المثبت
له.
ولا
يشترط أن ينكر الوارث توقيع أو خط مورثه صراحة بل يكتفي فقط بحلف اليمين بعدم علمه
بأن الخط والتوقيع هو لمورثه، وفى هذه الحالة تزول مؤقتاً حجية المحرر العرفي فى
الإثبات، ويجب على المتمسك بالمحرر أن يقيم الدليل على صحته.
ومن
الجدير بالذكر أن الدفع بالجهالة صورة من صور إنكار التوقيع، وعلى ذلك، فمن يحتج عليـه
بمحـرر عرفـي ونـاقش موضوعه فإن ذلك يعد تسليما منه بصحة التوقيع عليه ونسبته إلى من
وقعه، ولا يجوز بعد ذلك إنكار التوقيع ممن وقعـه أو الـدفع بالجهالة من وارثه.
وإذا
كان الوارث نفسه قد وقع على المحرر العرفي باعتباره شاهداً، فيمكن اعتبار توقيعه
كشاهد على المحرر العرفـي بمثابـة دليل يدل على صحة التوقيع أو في القليل على علمه
به، وإذا تمسك من يحتج بالمحرر العرفي بهذا الدفع أمام المحكمـة وجـب علـى المحكمة
تمحيصه والرد عليه باعتباره دفاع جوهري من شأنه – لو صح- أن يتغير به وجه الرأي في
الدعوى.
الفرع الثاني
حجية المحرر العرفي بالنسبة
للبيانات
إذا
ثبت صحة توقيع الموقع على المحرر العرفي بعدم إنكاره أو كان قد أنكره ثم ثبت صحة
توقيعه، فإن المحرر العرفي يكـون حجة على صاحبه من حيث توقيعه وصحة البيانات
الواردة به.
وفي
حالة إدعاء الموقع أنه على الرغم من إقـراره بصـحة توقيعه إلا أن المحرر قد لحق به
إضافة أو حذف من بياناته ممـا يمثل معه وجود تزوير مادي ببيانات المحرر، فيجب على الموقـع
في هذه الحالة الطعن بالتزوير لإثبات صحة ادعائه.
ويستوي
في ذلك أن يكون المحرر العرفي قد تمـت كتابتـه بخط المدين أو غيره أو من خلال آلة
أو جهاز معين.
ويختلف
الأمر في حالة عدم وجود تزوير في بيانات المحرر ومع ذلك يريد من يحتج بالمحرر عليه
أن ينقض بيان من بيانـات المحرر، ففي هذه الحالة عليه الرجوع لطـرق الإثبـات العاديـة
وبصفة خاصة الالتزام بالقاعدة المتعلقة بعدم جواز إثبات ما يخالف ما اشتمل عليه
دليل كتابي إلا بالكتابة.
الفرع الثالث
حجية تاريخ المحرر العرفي
يعد
تاريخ المحرر العرفي أحد بيانات المحـرر ولكـن لـه طبيعة خاصة وأثره البالغ في
الحكم القانوني خاصة فـي مواجهـة الغير، لذا قرر المشرع وأفرد له نصوصاً خاصة.
أولاً: حجية تاريخ المحرر
العرفي بالنسبة لأطرافه:
باعتبار
تاريخ المحرر العرفي أحد بيانات المحرر فهو حجة على أطراف المحرر، أي أن التاريخ
الوارد بـالمحرر يفتـرض صحته ويؤكد صدور المحرر في هذا التاريخ.
ولا
يجوز لأطراف المحرر إثبات عكس ذلك التاريخ إلا من خلال الطعن بالتزوير إذا تم
التلاعب بشأنه، أو من خـلال إتبـاع قواعد الإثبات المقررة قانوناً وهو ما يقتضي
ضرورة تقديم دليل كتابي لإثبات عكس تاريخ المحرر العرفي.
ثانياً: حجية تاريخ المحرر
العرفي بالنسبة للغير:
قرر
المشرع المصري أن المحرر العرفي لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان له تاريخ ثابت
ثبوتاً رسمياً. وقد تقررت هذه القاعدة حماية للغير لعدم الإضرار بحقوقه.
ويقصد
بالغير هنا – بالنسبة لتاريخ المحرر العرفي – كل من لم يكن طرفاً أو ممثلاً فى
المحرر العرفي وله حق يتأثر بالتصرف الوارد بالمحرر العرفي وبصفة خاصة إذا كان
تاريخ المحرر العرفي سابقاً على حق الغير.
وعلى
ذلك، لا يعد من الغير كـل مـن أطـراف المحـرر والأصيل إذا كان من حرر المحرر نائباﹰ
عنه، وكذلك الخلف العام (الوارث، والموصى له بحصة من التركة).
ولا
يعد الدائن العادي من الغير لعدم تعلق حقه بمال معين من أموال المدين، بل يرد على
الضمان العام، ويسري فى حقه تصرفات المدين أياً كان تاريخها وحتى ولو لم تكن ثابتة
التاريخ.
بينما يعد من الغير كلاً من
الخلف الخاص والدائن الحاجز، على النحو التالي:
الخلف
الخاص هو من تلقي حقاً عينياً من المتصرف على مال محدد، فيعد من الغير بالنسبة
لتاريخ المحرر العرفي الذى يتأثر حقه بما ورد بالمحرر العرفي.
وعلى
ذلك، يعد مشتري العقار من الغير بالنسبة لعقود الإيجار التي قد أبرمها البائع على
هذا العقار، بشـرط أن يكـون المشتري قد سجل سند ملكيته كي يعتبر من الغير.
ولكي
يسري في حق الخلف الخاص المحرر العرفي يجب أن يكون للمحرر العرفي تاريخ ثابت بالطرق
القانونية، ولا يغني عن ثبوت التاريخ أي إجراء آخر، وكما ذكرنا من قبل أن هذه
القاعـدة مقررة لحماية الغير (الخلف الخاص هنا) مما مؤداه أنـه يجـوز للخلف الخاص
التمسك بالمحرر العرفي ويكون نافذ في مواجهتـه حتى ولو لم يكن له تاريخ ثابت أو
كان غير نافذ في حقه.
بالنسبة
للدائن الحاجز: وهو الدائن الـذي قـام باتخـاذ إجراءات الحجز والتنفيذ على أموال
المدين فيعد من الغير منذ اتخاذ إجراءات الحجز بالنسبة للأموال التي تم الحجز
عليها.
ومؤدى
ذلك أن المدين إذا قام بإبرام تصرفات قانونية مـن خلال محررات عرفية فلا تسري في
حق الـدائن الحـاجز إلا إذا كانت ثابتة التاريخ وكان تاريخها سابق على تاريخ اتخاذ
إجراءات الحجز.
وإذا
كان الدائن الحاجز قد اتخذ إجراءات الحجز على عقـار يملكه المدين فيكون الدائن
الحاجز من الغير بالنسبة للتصرفات التي يبرمها المدين على هذا العقار من تاريخ
تسجيل تنبيه نزع الملكية.
وتجدر
الإشارة إلى أنه إذا اشترط المشرع إجراء آخر غيـر
ثبوت التاريخ كي يحتج بالمحرر العرفي وتاريخه على الغير فيجب استيفائه، مثل نقل
ملكية العقار لا تكون إلا بالتسجيل سواء فيما بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير،
فيجب التسجيل وليس إثبات التـاريخ، كما يشترط لنفاذ الإيجار في حق الغير إذا زادت
مدة الإيجار عـن تسع سنوات أن يتم تسجيل عقد الإيجار كي تنفذ المدة الزائدة عـن التسع
سنوات في حق الغير.
ثالثاً: كيفية إثبات تاريخ
المحرر العرفي:
تنص
المادة (١٥) من قانون الإثبات على أنـه "لا يكـون المحرر العرفي حجة على
الغير في تاريخه إلا منذ أن يكـون لـه تاريخ ثابت. ويكون للمحرر تاريخ ثابت:
o من
يوم أن يقيد بالسجل المعد لذلك.
o من
يوم أن يثبت مضمونه في ورقة أخرى ثابتة التاريخ.
ج-
من يوم أن يؤشر عليه موظف عام مختص.
د-
من يوم وفاة أحد ممن لهم على المحرر أثر معترف به من خط أو إمضاء أو بصمة أو من
يوم أن يصبح مستحيلاﹰ على أحد هؤلاء أن يكتب أو يبصم لعلة في جسمه.
هـ-
من يوم وقوع أي حادث آخر يكون قاطعاً فى أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه.
ومع
ذلك يجوز للقاضي تبعا للظروف ألا يطبق حكـم هـذه المادة على المخالصات".
كما
ذكرنا من قبل فإن قاعدة ثبوت تاريخ المحرر العرفـي كي ينفذ في مواجهة الغير إنما هي
قاعدة مقررة لحماية الغيـر ولا تتعلق بالنظام العام مما مؤداه أنه إذا كان المحرر
العرفي لا يحمل تاريخاً ثابتاً بإحدى الطرق المقررة قانوناً فيجب على الغير إذا
أراد عدم الاحتجاج فى مواجهته بهذا المحرر أن يتمسك بذلك.
كما
أنه يشترط فيمن يتمسك بعدم الاحتجاج عليه بالمحرر غير الثابت التاريخ أو اللاحق
إثبات تاريخه أن يكون هو حسن النية أي غير عالم بسبق حصول التصرف الوارد بهـذا
المحـرر وألا يكون قد اعترف بتاريخه صراحة أو ضمنا أو تنازل عن التمسـك بعدم
مطابقته للواقع، ذلك أن الواقع حقيقة هو المستهدف لتبنى عليه الأحكام وما النصوص
القانونية المتعلقة بالإثبات إلا وسيلة للوصول إلى هذا الهدف.
وقد حدد المشرع بالمادة (١٥) من
قانون الإثبات كيفية إثبات تاريخ المحرر العرفي، وحدد مجموعة من الطرق يمكن من
خلالها إثبات التاريخ، ووردت هذه الطرق علـى سـبيل المثـال ولـيس الحصر، وتتمثل
فيما يلي:
القيد فى السجل المعد لذلك:
من
طرق إثبات تاريخ المحرر العرفي أن يتم تسجيله أو قيده في الدفاتر المعدة لذلك
بمكاتب التوثيق.
ويتم
إثبات التاريخ من خلال كتابة محضر يثبت فيه تـاريخ تقديم المحرر ورقم إدراجه في
الدفتر المعد لـذلك ويخـتم بخـاتم المكتب ويوقعه الموثق.
ويعد
بكل مكتب من مكاتـب التوثيـق دفتـر تـدرج فيـه المحررات التي أثبت تاريخها بأرقام
متتابعة ويبين فيه أسماء ذوي الشأن ومحال إقامتهم وموضوع المحـرر وأداء الرسـم
ويوقعـه الموثق وصاحب الشأن عند تسلم المحرر.
وكذلك
يتم إثبات تاريخ المحرر العرفي من خلال التصـديق على توقيعات ذوى الشأن.
إثبات
مضمون المحرر العرفي فى ورقة أخرى ثابتة التاريخ:
إذا
تم إثبات مضمون المحرر العرفي في ورقة أخري ثابتـة التاريخ مثل محرر رسمي ففي هذه
الحالة يثبت تـاريخ المحـرر العرفي، ويكون ثبوت التاريخ هنا من تاريخ المحرر
الرسمي.
ويشترط
في هذه الحالة أن يتم ذكر مضمون المحرر العرفي في المحرر الرسمي الثابت التاريخ
بشكل محدد لا يحتمـل اللـبس ولكن لا يشترط ذكر نص المحرر العرفي كاملاً وإنما
يكتفي بملخصه وبياناته الكافية التى لا تدع مجالاً للشك.
التأشير على المحرر من موظف
عام مختص:
إذا
قدم محرر عرفي إلى موظف عام أثناء تأدية وظيفته وقام بالتأشير عليه بما يفيد
تقديمه ويكتب تاريخاً لذلك، فيكون هذا التاريخ تاريخاً ثابتاً للمحرر العرفي.
مثل
تقديم محرر عرفي في قضية فيؤشر عليه القاضـي أو كاتب الجلسة بما يفيد تقديمه.
من يوم وفاة أحد ممن لهم
على المحرر العرفي أثر معترف به من خط أو إمضاء أو بصمة إصبع:
يعتبر
المحرر العرفي ثابت التاريخ من يوم وفاة شخص لـه أثر علي المحرر من خط أو إمضاء أو
بصمة إصبع، وذلك سـواء أكان المتوفى طرفاً فى التصرف المدون فى المحرر أم شاهداً
أو غيره.
وبالنسبة
للختم فإنه يجوز على الرغم من وجود بصمة الختم على المحرر إثبات أن التوقيع بالختم
لم يتم إلا بعد الوفاة، ولم ينص المشرع على بصمة ختم المتوفى عندما أورد الدلائل
المثبتة لتاريخ المحرر لاحتمال وصول الختم بعد الوفاة لأي شخص.
من
يوم أن يصبح مستحيلاً على أحد ممن لهم على المحرر أثر معترف به من خط أو إمضاء أو
بصمة إصبع:
كما
يثبت تاريخ المحرر إذا أصبح مـن المسـتحيل علـى الشخص أن يكتب أو يبصم لعلة في
جسمه، كبتر يديـه أو شـللها كلياﹰ، ويعتبر التاريخ الثابت للمحرر عندئذ من وقت الإصابة.
المطلب الرابع
حجية صور المحررات العرفية
لا
تحميل صورة المحرر العرفي توقيع مـن صـدر منـه المحرر، والتوقيع هو الشرط الجوهري
المعول عليه فـي الإثبـات وتمتع المحرر بالحجية.
وعلى
ذلك، ليس لصورة المحرر العرفي قيمة في الإثبـات، فهي لا تحمل توقيع من صدر منه
المحرر، ومع ذلـك يمكـن أن يكون لصور المحررات العرفية قوة في الإثبات بقدر ما
تهدي إلي الأصل إذا كان موجوداً، حيث يمكن الرجوع إليه، أما إذا كان الأصل غير
موجود فلا سبيل للاحتجاج بالصورة.
الفصل الثالث
القواعد العامة للإثبات
بشهادة الشهود
يطلق
على شهادة الشهود اصطلاح البينـة، والبينـة تـرد بمعنيان، الأول معني عام وهو
الدليل أياً كان سواء الشهادة أو الكتابة أو القرائن، فالقاعدة الشرعية والقانونية
المقررة بأن البينـة على من ادعي واليمين على من أنكر تدل على أن البينة هنا بمعناها
العام أي بأدلة الإثبات المختلفة.
كما
أن للبينة معنى خاص وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلة، فالقاعدة المقررة بأنه
يجوز الإثبات بالبينة بالنسبة للتصرفات القانونية التي تقل قيمتها عن ألف جنيه،
يقصد بالبينة هنـا شـهادة الشهود.
المبحث الأول
المقصود بالشهادة وصورها
يقصد
بشهادة الشهود إخبار شخص من غير أطراف الخصومة أمام القضاء بصدور واقعة من غير
تثبت حقاً لشخص آخر أو تنشئ التزاماً على الغير.
والأصل
أن تكون الشهادة مباشرة بأن يدلى الشاهد بما وقـع تحت بصره أو سمعه، فيشهد على
وقائع يعرفها معرفة شخصية.
وعادة
ما يدلي الشاهد بشهادته شفوياً فى مجلس القضاء، ويجوز لمن لا يقدر على الكلام أن
يدلي بشاهدته كتابة أو بالإشارة.
ولا
يكون أهلاً للشهادة من لم يبلغ الخمس عشرة سنة من عمره، ويجوز للقاضي أن يسمع
أقوال من هم دون هذه السـن بغير يمين وعلى سبيل الاستدلال فقط.
ولا
يجوز رد الشاهد ولو كان قريباً أو صهراً لأحد الخصوم، لا في حالة عدم قدرته على
التمييز بسبب المرض أو غيـره. فالأصل في الشهادة هو تقرير الشخص لما يكون قد رآه
أو سـمعه بنفسه أو أدركه على وجه العموم بحواسه، فهي تقتضي بداهة فيمن يؤديها
القدرة على التمييز لأن مناط التكليف بأدائها هو القدرة على تحملها، ولذا لا يجوز
رد الشاهد إلا إذا كان غير قادر على التمييز، وإذا قامت منازعة جدية حول قدرة
الشاهد على التمييز فيجب على المحكمة أن تحقق هذه المنازعة والتحقق من قدرة
الشـاهد علـى تحملها.
وإذا
أذنت المحكمة لأحد الخصوم إثبـات الواقعـة بشـهادة الشهود، فإن هذا يقتضي دائما أن
يكون للخصم الآخر الحـق فـي نفيها بهذا الطريق أي بشهادة الشهود.
وتوجد
نوع من الشهادة في درجة أقل من الشهادة المباشـرة أو الأصلية وهى الشهادة السماعية
وفيها يدلي الشاهد بما سمعه من رواية عن غيره بمعني أنه يشهد بما سمعه من واقعة قد
رواها لـه شاهد آخر وتنصب على الواقعة المراد إثباتها بالـذات، وأن هـذا الأخير هو
الذي رآها بعينه أو سمعها بأذنه.
وتعد
الشهادة السماعية كالشهادة الأصلية المباشرة من حيـث جواز الإثبات بها وكذلك تقدير
القاضـي لقيمتهـا وفـق سـلطته التقديرية، وغالباً ما تكون الشهادة السماعية فى
درجة أقل من الشهادة المباشرة من حيث اقتناع القاضي بها.
ويوجد
نوع آخر من الشهادة وهو الشهادة بالتسـامع وهـى شهادة بما يتسامعه الناس ولا تنصب
على الواقعة المـراد إثباتهـا تحديداً، بل تنصب على الرأي الشائع بين جمهور الناس
عن هذه الواقعة، ولا يكون هذا النوع من الشهادة مقبولاً أمام القاضي إلا إذا نص
القانون عليها.
ويوجد
نوع من الشهادة يسمي الشهادة بالشهرة العامة وهـى عبارة
عن ورقة مكتوبة تحرر أمام جهة رسمية، تدون فيها وقـائع معينة تشهد بها شهود يعرفون
هذه الوقائع عـن طريـق الشـهرة العامة، مثل إعلام الوراثة التي يدون فيها أسماء
ورثة المتوفى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق